سيد محمد طنطاوي

74

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أخذه ، فبين له القرآن الكريم أن الأقرب إلى التقوى التامة أن يحسن معاملة عدوه ، وأن لا يعتدى على حق من حقوقه . قال صاحب الكشاف ، قوله : * ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) * نهاهم أولا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل ، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا ، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله * ( أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) * أي : العدل أقرب للتقوى ، وأدخل في مناسبتها . وفيه تنبيه على أن وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء اللَّه إذا كان بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه » « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( واتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) * . أي : واتقوا اللَّه أيها المؤمنون - في كل ما تأتون وما تذرون ، وصونوا أنفسكم عمّا لا يرضيه ، وافعلوا ما أمركم به ، إن اللَّه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ، وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه على حسب أعمالكم فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أوامر اللَّه ، ومن انتهاك حرماته . وبذلك نرى الآية الكريمة قد أمرت المؤمنين بالمداومة على طاعة اللَّه في جميع الأوقات والأحوال ، وبأداء الشهادات على وجهها بدون محاباة ولا ظلم ، وبوجوب العدل في معاملة الأعداء والأصدقاء ، وبمراقبة اللَّه - تعالى - وخشيته في السر والعلانية . قال الآلوسي : وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّه « 2 » - ولم يكتف بذلك لمزيد من الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ . وقيل : لاختلاف السبب ، فإن الأولى نزلت في المشركين ، وهذه في اليهود . وذكر بعض المحققين وجها لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا ، وهو أن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه . بدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ، ولا والد ولا قرابة . والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ فيها بالقيام للَّه - تعالى - لأنه أردع للمؤمنين ، ثم ثنى بالشهادة بالعدل فجيء في كل معرض بما يناسبه » « 3 » . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة الكافرين فقال - تعالى - * ( وَعَدَ اللَّه ) * بفضله وإحسانه * ( الَّذِينَ آمَنُوا ) * إيمانا حقا * ( وعَمِلُوا ) * الأعمال * ( الصَّالِحاتِ ) * التي نالوا بها رضا اللَّه ، وعدهم بأن * ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) * عظيمة ولهم * ( أَجْرٌ عَظِيمٌ ) * لا يعرف مقداره إلا

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 613 ( 2 ) الآية 135 من سورة النساء . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 83