سيد محمد طنطاوي

69

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُمْ « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان بعض مظاهر رحمته بعباده ، ورعايته لمصالحهم فقال - تعالى * ( ما يُرِيدُ اللَّه لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ، ولكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَه عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * . أي : ما يريد اللَّه - تعالى - بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة ومن الغسل بعد الجنابة ، ومن الأمر بالتيمم عند وجود أسبابه ، ما يريد - سبحانه - بذلك * ( لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) * أي ضيق ومشقة وعسر ، ولكن يريد بذلك ليطهركم . أي : ليطهر نفوسكم من الأرجاس الحسية والمعنوية وليزيل عنها ما علق بها من ذنوب وأوساخ ، ويريد بذلك أيضا * ( لِيُتِمَّ نِعْمَتَه عَلَيْكُمْ ) * بما شرع لكم من أحكام ميسرة ومن آداب عالية ، ومن تكاليف جليلة لكي تشكروه على نعمه وإحسانه وتشريعاته ، لأنكم متى شكرتم زادكم من فضله ومننه . وعبر - سبحانه - عن نفى الحرج بنفي إرادته ، مبالغة في بيان رأفته - سبحانه - بعباده ، ورعايته لمصالحهم . فكأنه - سبحانه - يقول : ما كان من شأن اللَّه - تعالى - مع عباده أن يشرع لهم ما فيه مشقة أو حرج . وقوله * ( لِيَجْعَلَ ) * يحتمل أن يكون الجعل بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى لواحد وهو قوله : * ( مِنْ حَرَجٍ ) * وتكون * ( مِنَ ) * زائدة لتأكيد النفي وقوله * ( عَلَيْكُمْ ) * متعلق بالجعل . ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير فيكون قوله * ( عَلَيْكُمْ ) * هو المفعول الثاني ، وقوله : * ( ولكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَه عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * استدراك قصد به بيان بعض مظاهر رحمته - سبحانه - بالمؤمنين ومحبته لسعادتهم ولتزكية نفوسهم وتطهيرها من الذنوب والأدران كما قصد به حضهم على مداومة شكره حتى يزيدهم من فضله . وقريب من معنى هذه الجملة قوله - تعالى - يُرِيدُ اللَّه بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 2 » . وقوله - تعالى - وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 3 » وقوله تعالى - يُرِيدُ اللَّه أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً « 4 » . وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما أرادوا

--> ( 1 ) راجع تفسيرنا لسورة النساء الآية 43 ( 2 ) سورة البقرة الآية 185 ( 3 ) سورة الحج الآية 78 ( 4 ) سورة النساء الآية 28