سيد محمد طنطاوي

70

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الدخول في الصلاة ، وما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما كانوا جنبا ، وما يجب أن يفعلوه إذا ما فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله وكانوا يريدون الطهارة أو أداء ما عليهم من تكاليف ، كما بينت لهم حكمة اللَّه في تشريعاته لهم ، ورعايته لمصالحهم حتى يشكروه على نعمه فيزيدهم منها . ثم بعد أن بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده ورحمته بهم ، أتبع ذلك بأمرهم بمداومة شكره ، وبالوفاء بعهده فقال : * ( واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ومِيثاقَه الَّذِي واثَقَكُمْ بِه إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأَطَعْنا ) * . أي : تنبهوا أيها المؤمنون - بعقولكم وقلوبكم لما أسبغه اللَّه عليكم من منن فداوموا على شكرها * ( واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) * بدين الإسلام الذي هديتم به إلى الصراط المستقيم ، واذكروا كذلك * ( مِيثاقَه الَّذِي واثَقَكُمْ بِه ) * أي : عهده الوثيق الذي أخذه عليكم ، وأمركم بالتزامه بكل قوة . وقوله : * ( إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأَطَعْنا ) * ظرف لقوله * ( واثَقَكُمْ بِه ) * أي : إذ قلتم وقت أن أخذ عليكم العهد الموثق : سمعنا قولك وأطعنا أمرك . فأنت ترى أن الآية الكريمة أوجبت على المؤمنين أمرين : أولهما : التنبه إلى نعم اللَّه وعلى رأس هذه النعم نعمة الهداية إلى دين الإسلام ، ومداومة شكره - سبحانه - على ذلك . وثانيهما : الوفاء بعهوده التي أخذها عليهم ، وتقبلوها بالسمع والطاعة لأنهم متى شكروه على نعمه ، وكانوا أوفياء بعهودهم ، زادهم - سبحانه - من فضله وعطائه قال الفخر الرازي : وإنما قال : * ( واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) * ولم يقل نعمه عليكم ، لأنه ليس المقصود منه التأمل في أعداد نعم اللَّه ، بل المقصود منه التأمل في جنس النعم . كالنظر إلى الحياة والصحة والعقل والهداية وحسن التدبير والصون عن الآفات والعاهات . فجنس هذه النعم لا يقدر عليه سوى اللَّه - تعالى - فيكون وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل . وإنما قال : * ( واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) * وهو يشعر بنسيانها مع أن مثلها في تواترها لا ينسى ، للإشارة إلى أنه لكثرة هذه النعم وتعاقبها ، صارت كالأمر المعتاد الذي لكثرة وجوده قد يغفل عنه المرء » « 1 » والمراد بالميثاق الذي أخذه عليهم ما جرى بين النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبين المؤمنين من عهود على أن

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 178 - بتصرف وتلخيص - .