سيد محمد طنطاوي
67
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً « 1 » . ويرى جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود أن المراد بالملامسة هنا اللمس باليد ، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء . وقد سار الإمام الشافعي على هذا الرأي فقال : إذا مس جسدها فعليه الوضوء سواء أكان المس بشهوة أم بغير شهوة . ومن أدلته أن اللمس حقيقة في المس باليد ، وهو في الجماع مجاز أو كناية ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة ويرى الإمام مالك أن اللمس إن كان بشهوة وتلذذ فعليه الوضوء ، وكذا إذا مسته بشهوة وتلذذ ، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليهما . وقد انتصر كل فريق لرأيه بصورة أوسع من ذلك في كتب الفروع . والذي نراه أولى بالصواب في هذه المسألة ما قاله الإمام مالك - رحمه اللَّه - لأنه بنى رأيه على وجود الشهوة وعدمها . والفاء في قوله : * ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) * عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله . * ( وإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) * . والضمير في قوله : * ( فَلَمْ تَجِدُوا ) * يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس وفيه تغليب للخطاب على الغيبة . والمراد بعدم الوجدان في قوله هنا * ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) * ما هو أعم من الوجود الحسى أي : أن قوله : « فلم تجدوا ماء » كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا ، إذ أن الشيء المتعذر استعماله هو والمعدوم سواء . وقوله : * ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) * جواب الشرط وهو قوله : * ( وإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) * . والمعنى : وإن كنتم - أيها المؤمنون - في حالة مرض يحول بينكم وبين استعمال الماء أو كنتم مستقرين على سفر أو كنتم محدثين حدثا أصغر أو أكبر ، أو لامستم النساء ، فلم تجدوا ماء تستعملونه لطهارتكم ، ولأداء ما كلفكم اللَّه به من تكاليف ، أو وجدتموه ولكن منعكم مانع من استعماله ، أو كنتم في حاجة ماسة إليه ، فعليكم في هذه الأحوال أن تتيمموا صعيدا طيبا بدلا من الماء ، فإن اللَّه - تعالى - ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ . ومنهم من يرى أن الضمير في قوله : * ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) * يعود إلى الجميع ما عدا المرضى ، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله . وعلى هذا الرأي يكون المراد بعدم الوجدان ، عدم الوجدان الحسى .
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 237