سيد محمد طنطاوي

49

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

كلفكم به فإنه - تعالى - لا يعجزه شيء ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر . فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أمر اللَّه ، وانتهاك محارمه . هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتي : 1 - إباحة التمتع بالطيبات التي أحلها اللَّه - تعالى - لعباده ، والتي تستطيبها النفوس الكريمة ، والعقول القويمة ، من مطعومات ومشروبات وغير ذلك مما أحله - سبحانه - لعباده . وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة منها ، قوله - تعالى - : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه ، والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ « 1 » . 2 - إباحة الصيد بالجوارح بشرط كونها معلمة ، وعلامة كونها معلمة أن تسترسل إذا أرسلت ، وتنزجر إذا زجرت ، وتمسك الصيد ولا تأكل منه ، وتعود إلى صاحبها متى دعاها . ويدخل في الجوارح - عند جمهور الفقهاء - كل حيوان يصنع صنيع الكلب ، وكل طير كذلك ، لأن قوله - تعالى - * ( مِنَ الْجَوارِحِ ) * ، يعم كل حيوان يصنع صنيع الكلب . وكان التعبير بمكلبين ، لأن الكلاب أكثر الحيوانات استعمالا للصيد . وقد جاء في حديث عدى بن حاتم الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال له : « ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم اللَّه عليه فكل ما أمسك عليك » . ويرى بعض الفقهاء أن الصيد لا يكون إلا بالكلاب خاصة . قال القرطبي ما ملخصه : وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير . وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع ، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها وبسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل . وهو الأكل من الجوارح . أي : الكواسب من الكلاب وسباع الطير . وليس في قوله * ( مُكَلِّبِينَ ) * دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة ، وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة » « 2 » . 3 - استدل بعض الفقهاء بقوله - تعالى - * ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) * على أن الكلب وما يشبهه من الجوارح إذا أكل من الصيد الذي أمسكه ، فإنه في هذه الحالة لا يحل الأكل منه ، لأنه لم يمسك لمن أرسله وإنما أمسك لنفسه وبهذا قال الشافعية والحنابلة .

--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 32 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 66 .