سيد محمد طنطاوي

50

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ويرى المالكية أن الجارح ما دام قد عاد بالصيد ولو مأكولا منه ، فإنه يجوز الأكل منه ، لأنه بعودته بما صاده قد أمسكه على صاحبه . أما الأحناف فقالوا : إن عاد بأكثره جاز الأكل منه ، لأنه في هذه الحالة يكون قد أمسك لصاحبه ، وإن عاد بأقله لا يجوز الأكل منه ، لأنه يكون قد أمسك لنفسه . وهذه المسألة بأدلتها الموسعة مبسوطة في كتب الفقه وفي بعض كتب التفسير « 1 » . 4 - استدل بعض العلماء بقوله - تعالى - * ( واذْكُرُوا اسْمَ اللَّه عَلَيْه ) * على وجوب التسمية عند إرسال الجوارح للصيد ، ولقوله - تعالى - في آية أخرى : ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّه عَلَيْه وإِنَّه لَفِسْقٌ « 2 » . ويرى بعضهم أن الأمر للندب ، ويرى فريق ثالث أن التسمية إن تركت عمدا لا يحل الأكل من الصيد . قال القرطبي : وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها بالقول عند الإرسال لقوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لعدي بن حاتم : « إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللَّه فكل ما أمسك عليك » فلو لم توجد التسمية على أي وجه كان لم يؤكل الصيد . وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث . وذهب جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا ، وحملوا الأمر بالتسمية على الندب . وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال لا تؤكل مع العمد ، وتؤكل مع السهو ، وهو قول فقهاء الأمصار ، وأحد قولي الشافعي » « 3 » . ثم حكى - سبحانه - جانبا آخر من مظاهر نعمه على عباده ، ورحمته بهم وتيسيره عليهم في أمور دينهم ودنياهم فقال :

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 6 ص 69 . وتفسير ابن كثير ج 2 ص 16 . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 121 . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 68 .