سيد محمد طنطاوي

333

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالنعمة في قوله * ( اذْكُرْ نِعْمَتِي ) * النعم المتعددة التي أنعم بها - سبحانه - على عيسى وعلى والدته مريم حيث طهرها من كل ريبة ، واصطفاها على نساء العالمين . وفي ندائه - سبحانه - لعيسى بقوله * ( يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) * إشارة إلى أنه ابن لها وليس ابنا لأحد سواها ، فقد ولد من غير أب ، ومن كان شأنه كذلك لا يصلح أن يكون إلها ، لأن الإله الحق لا يمكن أن يكون مولودا أو محدثا . « 1 » وقوله : * ( إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وكَهْلًا ) * تعديد للنعم التي أنعم اللَّه - تعالى - بها على عيسى . وقوله * ( أَيَّدْتُكَ ) * أي قويتك من التأييد بمعنى التقوية . والمراد بروح القدس : جبريل - عليه السلام - فإن من وظيفته أن يؤيد اللَّه به رسله بالتعليم الإلهى ، وبالتثبيت في المواطن التي من شأن البشر أن يضعفوا فيها . وقيل : المراد * ( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) * روح عيسى حيث أيده - سبحانه - بطبيعة روحانية مطهرة في وقت سادت فيه المادية وسيطرت . أي : أيدتك بروح الطهارة والنزاهة والكمال ، فكنت متسما بهذه الروح الطاهرة من كل سوء . والمهد : سن الطفولة والصبا - والكهولة : السن التي يكون في أعقاب سن الشباب . والمعنى : اذكر يا عيسى نعمى عليك وعلى والدتك ، وقت أن قويتك بروح القدس الذي تقوم به حجتك ، ووقت أن جعلتك تكلم الناس في طفولتك بكلام حكيم لا يختلف عن كلامك معهم في حال كهولتك واكتمال رجولتك . وقوله : * ( إِذْ أَيَّدْتُكَ ) * ظرف لنعمتي . أي : اذكر إنعامى عليكما وقت تأييدى لك . وذكر - سبحانه - كلامه في حال الكهولة - مع أن الكلام في هذه الحالة معهود في الناس - للإيذان بأن كلامه في هاتين الحالتين - المهد والكهولة - كان على نسق واحد بديع صادر عن كمال العقل والتدبير ، دون أن يكون هناك فرق بين حالة الضعف وحالة القوة . قال الرازي : وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له ، وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده . وقال ابن كثير : قوله * ( اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ) * أي في خلقي إياك من أم بلا ذكر ، وجعلى إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي * ( وعَلى والِدَتِكَ ) * حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة و * ( إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) * وهو جبريل ،

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 125