سيد محمد طنطاوي

334

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وجعلتك نبيا داعيا إلى اللَّه في صغرك وكبرك . فأنطقتك في المهد صغيرا : فشهدت ببراءة أمك من كل عيب . واعترفت لي بالعبودية . وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي ولهذا قال : * ( تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وكَهْلًا ) * أي : تدعو إلى اللَّه الناس في صغرك وكبرك . وضمّن * ( تُكَلِّمُ ) * معنى تدعو ، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب » « 1 » . وقوله : * ( وإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإِنْجِيلَ ) * بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم بها - سبحانه - على عيسى . والمراد بالكتاب : الكتابة . أي أن عيسى - عليه السلام - لم يكن أميا بل كان قارئا وكاتبا وقيل المراد به ما سبقه من كتب النبيين كزبور داود ، وصحف إبراهيم ، وأخبار الأنبياء الذين جاؤوا من قبله . والمراد بالحكمة : الفهم العميق للعلوم مع العمل بما فهمه وإرشاد الغير إليه . أي : واذكر وقت أن علمتك الكتابة حتى تستطيع أن تتحدى من يعرفونها من قومك . ووقت أن علمتك * ( الْحِكْمَةَ ) * بحيث تفهم أسرار العلوم فهما سليما تفوق به غيرك ، كما علمتك أحكام الكتاب الذي أنزلته على أخيك موسى وهو التوراة وأحكام الكتاب الذي أنزلته عليك وهو الإنجيل . ثم ذكر - سبحانه - بعض معجزات عيسى ، بعد أن بين بعض ما منحه من علم ومعرفة ، فقال : * ( وإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ) * أي : واذكر وقت أن وفقتك لأن تخلق أي تصور من الطين صورة مماثلة لهيئة الطير * ( فَتَنْفُخُ فِيها ) * أي في تلك الهيئة المصورة * ( فَتَكُونُ ) * أي فتصير تلك الهيئة المصورة * ( طَيْراً بِإِذْنِي ) * أي : تصير كذلك بقدرتي وإرادتى وأمرى . ثم قال - تعالى : * ( وتُبْرِئُ الأَكْمَه ) * وهو الذي يولد أعمى وتبرئ كذلك * ( الأَبْرَصَ ) * وهو المريض بهذا المرض العضال * ( بِإِذْنِي ) * . وقوله : * ( وتُبْرِئُ ) * معطوف على * ( تَخْلُقُ ) * . وقوله : * ( وإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي ) * معطوف على قوله : * ( وإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ ) * . أي : واذكر وقت أن جعلت من معجزاتك أن تخرج الموتى من القبور أحياء ينطقون ويتحركون . وكل ذلك بإذني ومشيئتى وإرادتى . وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياءه للموتى كان عن طريق الدعاء ،

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 115