سيد محمد طنطاوي

324

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فقوله : * ( تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّه ) * كلام مستأنف لبيان ما يجب على الحاكم أن يفعله عند الشك في أمانة الرجلين اللذين دفع إليهما الميت ما له ليوصلاه إلى أهله . ومعنى * ( تَحْبِسُونَهُما ) * توقفونهما وتمسكونهما لأداء اليمين اللازمة عليهما والمراد بالصلاة : صلاة العصر . وقد روى ذلك عن ابن عباس وجماعة من التابعين . قال الفخر الرازي : إنما عرف هذا التعيين بوجوه : أحدها : أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعده ، فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ . وثانيها : ما روى أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم العصر ، ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر فصار فعل الرسول دليلا على التقييد . وثالثها : أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون اللَّه فيه ، ويحترزون عن الحلف الكاذب « 1 » . وقال الزهري : المراد بالصلاة ، الصلاة مطلقا : وإنما كان الحلف بعد الصلاة ، لأنها داعية إلى النطق بالصدق ، وناهية عن الكذب والزور . أي : توقفون - أيها المسلمون - هذين الرجلين بعد الصلاة لأداء اليمين * ( فَيُقْسِمانِ بِاللَّه ) * أي : فيحلفان باللَّه * ( إِنِ ارْتَبْتُمْ ) * في صدقهما ، بأن يقولا : * ( لا نَشْتَرِي بِه ثَمَناً ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ) * أي : لا نحصل بيمين اللَّه عرضا من أعراض الدنيا ، ولو كان من نقسم له ونشهد عليه قريبا لنا . * ( ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّه ) * أي : ولا نكتم الشهادة التي أمرنا اللَّه بإظهارها وأدائها * ( إِنَّا إِذاً لَمِنَ الآثِمِينَ ) * أي : إنا إذا لنكونن معدودين من المستقرين في الذنوب والآثام إن كتمناها وبدلناها عن وجهها الصحيح . وقوله * ( إِنِ ارْتَبْتُمْ ) * شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به ، ومتى لم يقع ريب ولا اختلاف فلا يمين . وجواب الشرط محذوف للعلم به مما قبله . أي : إن ارتبتم فحلفوهما . والضمير في قوله : * ( بِه ) * يعود إلى القسم المفهوم من قوله : * ( فَيُقْسِمانِ ) * أي : فيقسمان باللَّه لا نشتري بصحة القسم ثمنا مهما كان هذا الثمن .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 117