سيد محمد طنطاوي
325
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ) * تأكيد لتنزههما عن الحلف الكاذب . قال صاحب الكشاف : والضمير في * ( بِه ) * للقسم وفي * ( كانَ ) * للمقسم له . يعنى : لا نستبدل بصحة القسم باللَّه عرضا من الدنيا . أي : لا نحلف كاذبين لأجل المال ، ولو كان من يقسم له قريبا منا ، على معنى : أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبدا ، وأنهم داخلون تحت قوله - تعالى - كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّه ولَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ « 1 » . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد أكد هذا القسم بجملة من المؤكدات منها : أن الحالفين يحلفان بأنهما لا يحصلان بيمين اللَّه ثمنا مهما كانت قيمته ، وبأنهما لن يحابيا إنسانا مهما بلغت درجة قرابته وبأنهما لن يكتما الشهادة التي أمرهما اللَّه بأدائها على وجهها الصحيح ، وبأنهما يقران على أنفسهما باستحقاق عقوبة الآثم المذنب إن كتما أو خانا أو حادا عن الحق ، وهذا كله لأجل أن تصل وصية الميت إلى أهله كاملة غير منقوصة . ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا تبين أن الرجلين اللذين دفع إليهما الموصى ما له لم يكونا أمينين فقال : * ( فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ ) * . وقوله : * ( عُثِرَ ) * أي : اطلع . يقال عثر الرجل على الشيء عثورا إذا اطلع عليه . ويقال : عثرت منه على خيانة أي : اطلعت . وقوله : * ( الأَوْلَيانِ ) * تثنية أولى بمعنى أقرب . فالمراد بقوله * ( الأَوْلَيانِ ) * أي : الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال الميت . والمعنى : فان اطلع بعد تحليف الشاهدين الوصيين من جهة الميت على أنهما * ( اسْتَحَقَّا إِثْماً ) * أي : فعلا ما يوجب الإثم من خيانة أو كتمان أو ما يشبههما * ( فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما ) * أي : فرجلان آخران يقومان مقام اللذين اطلع على خيانتهما : أي يقفان موقفهما في الحبس بعد الصلاة والحلف ويكون هذان الرجلان الآخران * ( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ ) * . قال القرطبي : قال ابن السرى : أي من الذين استحق عليهم الإيصاء واختاره ابن العربي وأيضا فإن التفسير عليه ، لأن المعنى عند أهل التفسير : من الذين استحقت عليهم الوصية « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 688 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 358