سيد محمد طنطاوي
323
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويصح أن يكون مبتدأ والخبر محذوف . أي : فيما أمرتم به أن يشهد اثنان : ويكون قوله * ( اثْنانِ ) * فاعلا لقوله * ( شَهادَةُ ) * وعليه تكون إضافة قوله * ( شَهادَةُ ) * إلى الظرف وهو * ( بَيْنِكُمْ ) * على التوسع . قال القرطبي : قوله * ( شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ) * قيل : معناه شهادة ما بينكم فحذفت « ما » وأضيفت الشهادة إلى الظرف ، ، واستعمل اسما على الحقيقة ، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة . ومنه قوله - تعالى - هذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ أي ، : ما بيني وبينك « والمراد بقوله : * ( إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) * ظهور أماراته وعلاماته وهو ظرف متعلق بقوله : « شهادة » . وقوله : * ( حِينَ الْوَصِيَّةِ ) * بدل من الظرف . وفي هذا الإبدال تنبيه على أن الوصية لا ينبغي أن يتهاون فيها . وقوله : * ( ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) * صفة لقوله * ( اثْنانِ ) * وقوله : * ( أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) * معطوف على قوله * ( اثْنانِ ) * . والمراد من غير المسلمين ، ويرى بعضهم أن المراد بقوله * ( مِنْكُمْ ) * أي : من قبيلتكم ، وبقوله : * ( مِنْ غَيْرِكُمْ ) * أي : من غير قبيلتكم . وقوله : * ( إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ) * بيان لمكان الوصية وزمانها . والمراد بالضرب في الأرض السفر فيها وقيل للمسافر ضارب في الأرض لأنه يضربها برجليه أو بعصاه . والمراد بقوله : * ( فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ) * أي : فقاربتم نهاية أجلكم بأن أحسستم بدنو الموت منكم . فليس المراد الموت بالفعل وإنما المراد مشارفته ومقاربته . وسمى - سبحانه - الموت مصيبة ، لأنه بطبيعته يؤلم ، أو يصحبه أو يقاربه أو يسبقه آلام نفسية . قال القرطبي : وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ، فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ودفعتم إليهما ما معكم من المال ، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما ، وادعو عليهما خيانة ، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة ، أي تستوثقوا منهما » « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 352