سيد محمد طنطاوي
31
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى : ولا يحملنكم - أيها المؤمنون - بغضكم الشديد لقوم بسبب أنهم منعوكم من دخول المسجد الحرام ، لا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا عليهم ، فإن الشرك إذا كان يبرر هذا العمل ، فإن الإسلام - وهو دين العدل والتسامح - لا يبرره ولا يقبله ، ولكن الذي يقبله الإسلام هو احترام المسجد الحرام ، وفتح الطريق إليه أمام الناس حتى يزداد المؤمن إيمانا ، ويفيء العاصي إلى رشده وصوابه . قال ابن كثير : وقوله : * ( ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ) * أي : ولا يحملنكم بغض قوم ، « قد كانوا صدوكم عن المسجد الحرام - وذلك عام الحديبية - ، على أن تعتدوا حكم اللَّه فيهم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا ، بل احكموا بما أمركم اللَّه به من العدل في حق كل أحد . . فإن العدل واجب على كل أحد . في كل أحد ، وفي كل حال . والعدل ، به قامت السماوات والأرض . وقال بعض السلف : ما عاملت من عصى اللَّه فيك بمثل أن تطيع اللَّه فيه . وعن زيد بن أسلَّم ، قال : كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأصحابه بالحديبية ، حين صدهم المشركون عن البيت ، وقد اشتد ذلك عليهم ، فمر بهم ناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة . فقال الصحابة . نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم ، فنزلت هذه الآية » « 1 » . وقوله : * ( شَنَآنُ قَوْمٍ ) * مصدر مضاف لمفعوله . أي : لا يحملنكم بغضكم قوما . وقوله : * ( أَنْ صَدُّوكُمْ ) * - بفتح همزة أن - مفعول لأجله بتقدير اللام . أي : لأن صدوكم . فهو متعلق بالشنآن . وقوله * ( أَنْ تَعْتَدُوا ) * في موضع نصب على أنه مفعول به . أي : لا يحملنكم بغضكم قوما لصدهم إياكم عن المسجد الحرام الاعتداء عليهم . وقراءة * ( أَنْ صَدُّوكُمْ ) * بفتح الهمزة - هي قراءة الجمهور ، وهي تشير إلى أن الصد كان في الماضي ، وهي واضحة ولا إشكال عليها . قال الجمل : وفي قراءة لأبى عمرو وابن كثير بكسر همزة أن على أنها شرطية وجواب الشرط دل عليه ما قبله . وفيها إشكال من حيث إن الشرط يقتضى أن الأمر المشروط لم يقع . مع أن الصد كان قد وقع . لأنه كان في عام الحديبية وهي سنة ست . والآية نزلت عام الفتح سنة ثمان ، وكانت مكة عام الفتح في أيدي المسلمين فكيف يصدون عنه ؟ وأجيب بوجهين : أو لهما : لا نسلَّم أن الصد كان قبل نزول الآية فإن نزولها عام الفتح غير مجمع عليه .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 5