سيد محمد طنطاوي
32
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والثاني : أنه وإن سلمنا أن الصد كان متقدما على نزولها فيكون المعنى : إن وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع عام الحديبية - فلا تعتدوا - « 1 » . قال بعضهم : وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل ، لأن النهى عن استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام ، فإن من يحمله البغض والعداوة على الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرا لنفسه لا للحق . وحينئذ لا يراعى المماثلة ولا يقف عند حدود العدل » « 2 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - عباده بالتعاون على فعل الخيرات وعلى ترك المنكرات فقال : * ( وتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوانِ ) * . والبر معناه : التوسع في فعل الخير ، وإسداء المعروف إلى الناس . والتقوى تصفية النفس وتطهيرها وإبعادها عن كل ما نهى اللَّه عنه . قال القرطبي : قال الماوردي : ندب اللَّه - تعالى - إلى التعاون بالبر ، وقرنه بالتقوى له ، لأن في التقوى رضا اللَّه ، وفي البر رضا الناس . ومن جمع بين رضا اللَّه ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته . والإثم - كما يقول الراغب - اسم للأفعال المبطئة عن الثواب وجمعه آثام ، والآثم هو المتحمل للإثم . ثم أطلق على كل ذنب ومعصية . والعدوان : تجاوز الحدود التي أمر الشارع الناس بالوقوف عندها . أي : وتعاونوا - أيها المؤمنون - على كل ما هو خير وبر وطاعة للَّه - تعالى - ، ولا تتعاونوا على ارتكاب الآثام ولا على الاعتداء على حدوده ، فإن التعاون على الطاعات والخيرات يؤدى إلى السعادة ، أما التعاون على ما يغضب اللَّه - تعالى - فيؤدى إلى الشقاء . قال الآلوسي : والجملة عطف على قوله * ( ولا يَجْرِمَنَّكُمْ ) * من حيث المعنى ، فكأنه قيل : لا تعتدوا على قاصدي المسجد الحرام لأجل أن صدوكم عنه ، وتعاونوا على العفو والإغضاء . وقال بعضهم : هو استئناف ، والوقف على * ( أَنْ تَعْتَدُوا ) * لازم . هذا ، وفي معنى هذه الجملة الكريمة وردت أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلَّم عن أبي مسعود الأنصاري قال : جاء رجل إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : يا رسول اللَّه إني أبدع بي - أي : هلكت دابتي التي أركبها - فاحملني فقال : « ما عندي » . فقال رجل : يا رسول اللَّه ، أنا أدله على من يحمله
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 459 ( 2 ) تفسير المنار ج 6 ص 126