سيد محمد طنطاوي

297

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أما أبو حنيفة فيرى - كما سبق أن أشرنا - أن المماثلة إنما تعتبر ابتداء بحسب القيمة ، فيقوم الصيد المقتول من حيث هو ، فإن بلغت قيمته قيمة هدى يخير الجاني بين أن يشترى بها هديا يهدى إلى الكعبة ويذبح في الحرم ويتصدق بلحمه على الفقراء ، وبين أن يشترى بها طعاما للمساكين ، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما . والمراد من الكعبة هنا الحرم وإنما خصت بالذكر تعظيما لها . قال بعض العلماء : ولا شك أن التخيير هنا ليس على حقيقته ، إنما هو ترتيب مراتب على حسب القدرة على كل رتبة ، فالأصل بلا ريب شراء هدى وذبحه في الحرم ، فإن تعذر ذلك كان الطعام ، فإن تعذر كان الصيام . هذا هو الظاهر عند الحنفية . وروى عنهم أنهم قالوا بالتخيير إذا عرفت القيمة بين الذبح عند الكعبة وبين إطعام المساكين ، وبين الصوم . وعندي أن الترتيب حسب القدرة أوضح وذلك هو رأى أحمد وزفر . والمذاهب الأخرى تلتقي في الجملة مع المذهب الحنفي بيد أنها تعتبر المماثلة في الأوصاف . وعندي أن المذهب الحنفي أوضح وأسهل تطبيقا ، وأدق في تعرف المثل وقد اضطروا إليه عند استبدال الطعام بالذبح ، إذ لا يعرف مقدار الطعام إلا بمعرفة القيمة » « 1 » . هذا ، وقوله - تعالى - * ( لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِه ) * تعليل لإيجاب الجزاء السابق على المحرم القاتل للصيد عن تعمد . وقوله * ( لِيَذُوقَ ) * من الذوق وهو إدراك المطعومات باللسان لمعرفة ما فيها من حلاوة أو مرارة أو غير ذلك . والمراد به هنا : إدراك ألم العذاب على سبيل الاستعارة . والوبال في الأصل : الثقل والشدة والوخامة . ومنه طعام وبيل إذا كان ثقيلا على المعدة . ومرعى وبيل وهو الذي يتأذى به بعد أكله . والمراد به هنا : سوء عاقبة فعله . والمعنى : شرعنا ما شرعنا من جزاء على المحرم في حالة قتله للصيد ، ليدرك سوء عاقبة قتله وفعله السيئ ، وليعلم أن مخالفته لأمر اللَّه تؤدى إلى الخسارة في الدنيا والآخرة . قال الإمام الرازي : وإنما سمى اللَّه - تعالى - ذلك وبالا ، لأنه خيره بين ثلاثة أشياء : اثنان منها توجب تنقيص المال - وهو ثقيل على الطبع - وهما : الجزاء بالمثل والإطعام . والثالث :

--> ( 1 ) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام العدد السادس من السنة 22