سيد محمد طنطاوي
298
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يوجب إيلام البدن وهو الصوم ، وذلك أيضا ثقيل على الطبع . والمعنى أنه - تعالى - أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال الإحرام » « 1 » . وقوله : * ( عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ ) * بيان لمظهر من مظاهر رحمة اللَّه بعباده ولطفه بهم ، لأنه - سبحانه - لم يؤاخذهم على قتلهم للصيد وهم محرمون قبل تحريمها والنهى عنها . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتهديد شديد لمن تتكرر منه المخالفة لأوامر اللَّه ونواهيه فقال : * ( ومَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّه مِنْه واللَّه عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ) * . أي : ومن عاد وهو محرم إلى قتل الصيد بعد ورود النهى عن ذلك فإن اللَّه - تعالى - ينتقم منه ويعاقبه عقابا شديدا فهو - سبحانه - العزيز الذي لا يغالب ولا يقاوم ، المنتقم الذي لا يدفع انتقامه بأي وسيلة من الوسائل . هذا وجمهور العلماء على أن المحرم يتكرر الجزاء عليه في قتل الصيد بتكرر القتل وأن عقوبة الآخرة - وهي انتقام اللَّه من الجاني - لا تمنع وجوب الجزاء عليه في الدنيا . قال ابن كثير . ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد . وقال علي بن طلحة عن ابن عباس قال : من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كلما قتله . فإن قتله عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة . فإن عاد يقال له ينتقم اللَّه منك » « 2 » . وبذلك نرى الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين من التعرض للصيد في حالة إحرامهم ، وبينت الجزاء المترتب على من يفعل ذلك ، وهددت من يستهين بحدود اللَّه بالعذاب الشديد . ثم بين - سبحانه - ما أحله للمحرم وما حرمه عليه مما يتعلق بالصيد فقال - تعالى - : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 96 ] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وطَعامُه مَتاعاً لَكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً واتَّقُوا اللَّه الَّذِي إِلَيْه تُحْشَرُونَ ( 96 )
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 3 ص 96 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 101 .