سيد محمد طنطاوي
288
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد قالوا في الإجابة عن ذلك : إن تعليق نفى الجناح أي الإثم بهذه الأحوال ليس على سبيل اشتراطها فإن نفى الإثم عن الذي يتناول المباح قبل أن يحرم لا يشترط بشرط ، وإنما تعليق نفى الجناح بهذه الأحوال - وهي التقوى والإيمان - وارد على سبيل المدح لهم ، والثناء عليهم والدلالة على أنهم جديرون بهذه الصفات ، ولإدخال الطمأنينة على قلوبهم حتى يوقنوا بأن من تعاطى شيئا من المحرمات قبل تحريمها فلا يؤاخذه اللَّه على ذلك ، وإنما يؤاخذه إذا تعاطاها بعد تحريمها . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : « قيل لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة : يا رسول اللَّه ! ! كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر ؟ فنزلت الآية * ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ ) * . . إلخ يعنى أن المؤمنين لا جناح عليهم في أي شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم ، ثم اتقوا وآمنوا وأحسنوا ، على معنى : أن أولئك كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمدا لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان . ومثاله أن يقال لك : هل على زيد جناح فيما فعل ؟ فتقول : وقد علمت أن ذلك أمر مباح : ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم ، وكان مؤمنا محسنا . تريد : أن زيدا تقى مؤمن محسن ، وأنه غير مؤاخذ بما فعل » « 1 » . وقال أبو السعود ما ملخصه : ما عدا التقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة ، لا دخل لها في انتفاء الجناح . وإنما ذكرت في حيز * ( إِذا ) * شهادة باتصاف الذين سألوا عن حالهم بها ، ومدحا لهم بذلك ، وحمدا لأحوالهم . فكأنه قيل : ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعته تعالى : مع مالهم من الصفات الحميدة بحيث كلما أمروا بشيء تلقوه بالامتثال ، وإنما كانوا يتعاطون الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمها إذ ذاك ، ولو حرما في عصرهم لا لاتقوهما بالمرة » « 2 » . وأما المسألة الثانية التي كثرت أقوال المفسرين فيها فهي : تكرار التقوى مرة مع الإيمان والعمل الصالح . ومرة مع الإيمان ومرة مع الإحسان ؟ وقد ذكر القرطبي في ذلك أربعة أقوال فقال : الأول : أنه ليس في ذكر التقوى تكرار ، والمعنى : اتقوا شربها وآمنوا بتحريمها ، أو دام اتقاؤهم وإيمانهم ، أو على معنى إضافة الإحسان إلى الاتقاء .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 676 . ( 2 ) تفسير أبى السعود ج 2 ص 57 .