سيد محمد طنطاوي
289
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والثاني : اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات ، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها ، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم وأحسنوا العمل . الثالث : اتقوا الشرك وآمنوا باللَّه ورسوله ، والمعنى الثاني ثم اتقوا الكبائر ، وازدادوا إيمانا ، والمعنى الثالث ، ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا . الرابع : قال ابن جرير : الاتقاء الأول : هو الاتقاء بتلقى أمر اللَّه بالقبول والتصديق ، والدينونة به العمل . والاتقاء الثاني : الاتقاء بالثبات على التصديق ، والثالث : الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل » « 1 » . والذي يبدو لنا أن ما قاله ابن جرير أقرب إلى الصواب ، وأن تكرير التقوى إنما هو لتأكيد وجوب امتلاء قلب المؤمن بها ، واستمراره على ذلك حتى يلقى اللَّه . فإن المؤمن بمداومته على خشيته - سبحانه - يتدرج من الكمال إلى الأكمل حتى يصل في إيمانه وتقواه إلى مرتبة الإحسان التي ترفعه إلى أعلى عليين ، والتي عرفها النبي صلى اللَّه عليه وسلم بقوله : « الإحسان أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » . ولقد بين لنا القرآن في مواطن كثيرة أن المؤمن يقوى إيمانه ويزداد ، بكثرة تدبره ما أنزله اللَّه من شرائع وهدايات . ومن ذلك قوله - تعالى - وإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْه هذِه إِيماناً ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهُمْ كافِرُونَ « 2 » . وقال تعالى - وما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً « 3 » . وبذلك نرى الآية الكريمة قد طمأنت المؤمنين إلى أن اللَّه - تعالى - لن يؤاخذهم بما تعاطوه من محرمات قبل تحريمها . وأن الواجب عليهم أن يستمروا على مراقبتهم له ، وخشيتهم منه حتى يلقوه - عز وجل - . وبعد أن حذر اللَّه - تعالى - المؤمنين من تعاطى المنكرات كالخمر والميسر وبين لهم حكم من مات قبل تحريم هذه الأشياء بعد كل ذلك بين - سبحانه - بشيء من التفصيل بعض الأحكام التي تتعلق بالصيد فقال تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 296 . ( 2 ) سورة التوبة الآيتان 124 ، 125 . ( 3 ) سورة المدثر الآية 31 .