سيد محمد طنطاوي

282

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

خليط بسر وتمر ، فسمعنا مناديا ينادى : إن الخمر قد حرمت . قال : فما دخل علينا داخل ولا خرج ، حتى أهرقنا الشراب ، وكسرنا القلال ، وتوضأ بعضنا ، واغتسل بعضنا ثم خرجنا إلى المسجد وإذا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقرأ * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ ) * . . إلى قوله * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) * . فقال رجل لقتادة : سمعته من أنس بن مالك ؟ قال : نعم وقال رجل لأنس أنت سمعته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ؟ قال : نعم . وحدثني من لم يكذب : واللَّه ما كنا نكذب ، ولا ندري ما الكذب « 1 » . وأخرج ابن جرير - أيضا - عن أبي بريدة عن أبيه قال : بينما نحن قعود على شراب لنا ، ونحن نشرب الخمر حلا ، إذ قمت حتى آتى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ ) * . . الآيات . فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم ، إلى قوله : * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) * قال : وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضا وبقي بعض الإناء ، فقال بالإناء تحت شفته « 2 » العليا ، كما يفعل الحجام . ثم صبوا ما في باطيتهم ، فقالوا : انتهينا ربنا ، انتهينا ربنا » « 3 » . وهكذا ترى أن قوة الإيمان التي غرسها الإسلام في نفوس أتباعه عن طريق تعاليمه الحكيمة وتربيته السامية . قد تغلبت على ما أحبته النفوس وأزالت من القلوب ما ألفته الطبائع إلفا شديدا . 2 - أن كلمة خمر اسم لما خامر العقل وغطاه من الأشربة المسكرة ، سواء كانت من عصير العنب ، أم من الشعير ، أم من التمر ، أم من غير ذلك وكلها سواء في التحريم قل المشروب منها أو كثر ، سكر شاربها أو لم يسكر ، وأن على الشارب حد الشرب في الجميع . وبهذا القول قال جمهور العلماء : ومن أدلتهم النقلية ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال : خطب عمر على منبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : إنه قد نزل تحريم الخمر وهي خمسة أشياء : « العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما خامر العقل » . وأخرج أيضا عن عائشة قالت : « سئل رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم عن التبع - وهو نبيذ العسل - وكان

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 7 ص 37 . ( 2 ) قوله : « فقال بالإناء » الفعل قال هنا بمعنى أخذ أو فعل : والمعنى أنه أخذ الإناء الذي يشرب فيه الخمر فضرب به تحت شفته العليا حتى جرحها كما يجرح الحجام من يريد حجامته ، والقصد من ذلك قهر نفسه والتصميم على الكف عن شرب الخمر كفا باتا . والباطية : إناء يوضع فيه الخمر . ( 3 ) تفسير ابن جرير ج 7 ص 34