سيد محمد طنطاوي
283
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أهل اليمن يشربونه . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « كل ما أسكر فهو حرام » . وأخرج كذلك عن أنس قال : « حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد - يعنى بالمدينة - خمر الأعناب إلا قليلا ، وعامة خمرنا البسر والتمر » « 1 » . فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أن ما أسكر من هذه الأشربة المأخوذة من التمر أو الحنطة أو الشعير أو العنب يسمى خمرا . ومن أدلتهم العقلية أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة خمر ، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم لمخامرتها العقل وستره ، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره . ويرى الأحناف ووافقهم بعض العلماء كإبراهيم النخعي ، وسفيان الثوري ، وابن أبي ليلى : أن كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب فقط . أما المسكر من غيره كالشراب الذي من التمر والشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى نبيذا . ومن حججهم أن الخمر حرمت ولم يكن العرب يعرفون الخمر في غير المأخوذ من ماء العنب ، فالخمر عندهم اسم لهذا النوع فقط . وما وجد فيه مخامرة للعقل من غير هذا النوع لا يسمى خمرا : لأن اللغة لا تثبت من طريق القياس . وقد ورد عن ابن عمر أنه قال : « حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء » . ولقد كان بالمدينة من المسكرات نقيع التمر والبسر ، فدل على أن ابن عمر - وهو عربي - ما كان يرى أن اسم الخمر يتناول هذين . ويقول الأحناف ومن وافقهم : إن الأحاديث التي استشهد بها الجمهور على أن الخمر اسم لكل مسكر من عصير العنب أو غيره هذه الأحاديث لبيان الحكم الشرعي ، والحرمة بالقياس لتحقيق علة الحرمة وهي الإسكار في القدر المسكر من هذه الأشياء . وقد ابتنى على هذا الخلاف بين الجمهور والأحناف أحكام أخرى تتعلق بنجاسة هذه الأشياء ، وبوجوب إقامة الحد على شاربها . . إلخ وتفصيل هذه الأحكام يرجع فيه إلى كتب الفقه وأصوله . هذا ، وقد رجح المحققون من العلماء ما ذهب إليه الجمهور وضعفوا ما ذهب إليه الأحناف ومن وافقهم .
--> ( 1 ) صحيح البخاري كتاب الأشربة ج 7 ص 136