سيد محمد طنطاوي

281

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إثم كبير ، ولم يتركها بعض الناس . وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى « 1 » فتركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة فيما يشغلنا عن الصلاة وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة ، حتى نزلت : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ ) * الآية . فصارت حراما عليهم حتى صار بعضهم يقول : ما حرم اللَّه شيئا أشد من الخمر » « 2 » . وأخرج عبد بن حميد عن الربيع أنه قال : لما نزلت آية البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إن ربكم يقدم في تحريم الخمر » ، ثم نزلت آية النساء : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « إن ربكم يقدم في تحريم الخمر » ، ثم نزلت آية المائدة : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ ) * فحرمت عند ذلك . ولما سمع عمر قوله - تعالى - * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) * قال : انتهينا يا رب « 3 » ولا شك في أن تدرج القرآن في تحريم الخمر يدل دلالة واضحة على رحمة اللَّه - تعالى - بعباده المؤمنين وتربية حكيمة حتى يقلعوا عما تعودوه بسهولة ويسر وذلك لأن شرب الخمر كان من العادات المتأصلة في النفوس ويكفى للدلالة على حب العرب لها قول أنس بن مالك : حرمت الخمر ولم يكن للعرب عيش أعجب منها . وما حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر » . ولقد كان موقف الصحابة من هذا التحريم لما يحبونه ويشتهونه ، يمثل اسمى ألوان الطاعة والاستجابة لأمر اللَّه - تعالى - فعند ما بلغهم تحريم الخمر أراقوا ما عندهم منها في الطرقات ، بل وحطموا الأواني التي كانت توضع فيها الخمر . أخرج البخاري عن أنس قال : كنت ساقى القوم في منزل أبى طلحة ، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ - أي : نقيع البسر فأمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مناديا ينادى « ألا إن الخمر قد حرمت » . قال : فقال لي أبو طلحة : اخرج فأهرقها . قال : فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة « 4 » وأخرج ابن جرير عن قتادة عن أنس بن مالك قال : بينما أنا أدير الكأس على أبى طلحة ، وأبى عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبى دجانة حتى مالت رؤسهم من

--> ( 1 ) سورة النساء الآية 43 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 286 ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 7 ص 17 ( 4 ) البخاري في باب : صب الخمر من كتاب « المظالم والغضب » ج 3 ص 173 .