سيد محمد طنطاوي

280

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وجواب الشرط محذوف والتقدير : أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول - أيها المؤمنون - واحذروا مخالفة أمرهما ، فإن توليتم وأعرضتم عن طاعتهما ، فقد وقعتم في الخطيئة وستعاقبون عليها عقابا شديدا ، واعلموا أنه ليس على رسولنا محمد صلى اللَّه عليه وسلم سوى التبليغ الواضح البين عن اللَّه - تعالى - أما الحساب والجزاء ، والثواب والعقاب فمن اللَّه وحده . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا من التأكيدات ، وألوانا من التهديدات التي تدعو إلى اجتناب الخمر والميسر اجتنابا تاما وتركهما تركا لا عودة بعده إليهما . وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى بقوله : أكد - سبحانه - تحريم الخمر والميسر بوجوه من التأكيد : منها : تصدير الجملة بإنما . ومنها : قرنهما بعبادة الأصنام ، ومنه قوله - صلى اللَّه عليه وسلم « شارب الخمر كعابد الوثن » . ومنها : أنه جعلهما رجسا كما قال - تعالى - فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ ومنها : أنه جعلهما من عمل الشيطان ، والشيطان ، لا يأتي منه إلا الشر البحت . ومنها : أنه أمر بالاجتناب وظاهر الأمر للوجوب . ومنها : أنه جعل الاجتناب من الفلاح . وإذا كان الاجتناب فلاحا ، كان الارتكاب خيبة وخسرانا . ومنها : أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال - وهو وقوع التعادي والتباغض - وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر اللَّه وعن مراعاة أوقات الصلاة . ومنها : قوله * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) * فهو من أبلغ ما ينهى به ، كأنه قيل : قد تلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم باقون على ما كنتم عليه ، كأن لم توعظوا ولم تزجروا ؟ ؟ ؟ » « 1 » . هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتي : 1 - أن هذه الآيات الكريمة هي آخر ما نزل في القرآن لتحريم الخمر تحريما قاطعا لأن التعبير بالانتهاء والأمر به فيه إشارة إلى تمهيدات سابقة للتحريم . قال القرطبي : تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة . فإنهم كانوا مولعين بشربها ، وأول ما نزل في شأن الخمر قوله - تعالى - يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنَّاسِ « 2 » أي : في تجارتهم . فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة فيما فيه

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 675 - بتصرف يسير - ( 2 ) سورة البقرة الآية 219