سيد محمد طنطاوي

262

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وعبر عن مطلق التمتع بما أحله اللَّه بالأكل ، لأنه أعظم أنواع المتع ، وأهم ألوان منافع الإنسان التي عليها قوام حياته . وقد زكى - سبحانه - طلب التمتع بعطائه وخيره بأمور منها : أنه جعله مما رزقهم إياه ، وأنه وصفه بكونه حلالا وليس محرما ، ويكونه طيبا وليس خبيثا . والمأكول أو المشروب أو غيرهما متى كان كذلك اتجهت نفس المؤمن إليه بارتياح وطمأنينة واجتهدت في الشكر لواهب النعم على ما أنعم وأعطى . قال الآلوسي : قوله : * ( وكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه حَلالًا طَيِّباً ) * أي : كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم اللَّه - تعالى - فحلالا مفعول به لكلوا . و * ( مِمَّا رَزَقَكُمُ ) * حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالا . والآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التوكيد وهو خلاف الظاهر في مثل ذلك . وقوله : * ( واتَّقُوا اللَّه الَّذِي أَنْتُمْ بِه مُؤْمِنُونَ ) * استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن . والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى . وقد أكل النبي صلى اللَّه عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه ، وكان يحب الحلوى » « 1 » . وقال القرطبي : قال علماؤنا : في هذه الآية وما شابهها ، والأحاديث الواردة في معناها ، رد على غلاة المتزهدين ، وعلى كل أهل البطالة من المتصوفين ، إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه ، وحاد عن تحقيقه . قال الطبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء على نفسه مما أحل اللَّه لعباده المؤمنين من طيبات المطاعم والملابس والمناكح . ولذلك رد النبي صلى اللَّه عليه وسلم التبتل على ابن مظعون ، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله اللَّه لعباده ، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه وعمل به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وسنه لأمته ، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون . وقد جاء رجل إلى الحسن البصري فقال له : إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال له ولم ؟ قال : يقول ، لا يؤدى شكره . فقال الحسن : أفيشرب الماء البارد ؟ قال : نعم . فقال الحسن : إن جارك جاهل ، فإن نعمة اللَّه عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 7 ص 9 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 262 بتصرف وتلخيص