سيد محمد طنطاوي

263

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والخلاصة أن هاتين الآيتين تنهيان المؤمنين عن تحريم الطيبات التي أحلها اللَّه لهم ، وتأمرانهم بالتمتع بها بدون إسراف أو تقتير مع خشيتهم للَّه - تعالى - وشكره على ما وهبهم من نعم . وذلك لأن ترك هذه الطيبات يؤدى إلى ضعف العقول والأجسام ، والإسلام يريد من أتباعه أن يكونوا أقوياء في عقولهم وفي أجسامهم وفي سائر شؤونهم ، لأن المؤمن القوى خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف - كما جاء في الحديث الشريف . ولأن دين الإسلام ليس دين رهبانية ، وفي الحديث الشريف « إن اللَّه لم يبعثني بالرهبانية » « 1 » وإنما دين الإسلام دين عبادة وعمل ، فهو لا يقطع العابد عن الحياة ، ولكنه يأمره أن يعيش عاملا فيها غير منقطع عنها . وإن التفاضل بين المؤمنين يكون باستقامة النفس ، وسلامة العبادة وكثرة إيصال النفع للناس . ولا يكون بالانقطاع عن الدنيا ، وتحريم طيباتها التي أحلها اللَّه - تعالى . وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تؤيد معنى هاتين الآيتين الكريمتين . أما الآيات فمنها قوله - تعالى - يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إِنَّه لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ « 2 » . ومنها قوله - تعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ واشْكُرُوا لِلَّه إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاه تَعْبُدُونَ « 3 » . وأما الأحاديث فمنها ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى اللَّه عليه وسلم يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها - أي عدوها قليلة - فقالوا : وأين نحن من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم : أما أنا فإني أصلى الليل أبدا ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر . وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا . فجاء رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له . لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس منى » « 4 »

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 7 ص 9 ( 2 ) سورة الأعراف الآية 31 ( 3 ) سورة البقرة الآية 172 . ( 4 ) أخرجه البخاري في باب الترغيب في النكاح من كتاب النكاح ج 7 ص 2 ، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح ج 4