سيد محمد طنطاوي

261

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بقوله : * ( لا تُحَرِّمُوا ) * : لا تعتقدوا تحريم ما أحل اللَّه لكم من طيبات بأن تأخذوا على أنفسكم عهدا بعدم تناولها أو الانتفاع بها . فالنهي عن التحريم هنا ليس منصبا على الترك المجرد . فقد يترك الإنسان بعض الطيبات لأسباب تتعلق بالمرض أو غيره . وإنما هو منصب على اعتقاد أن هذه الطيبات يجب تركها ويأخذ الشخص على نفسه عهدا بذلك . والمراد بالطيبات : الأشياء المستلذة المستطابة المحللة التي تقوى بدن الإنسان وتعينه على الجهاد في سبيل اللَّه ، من طعام شهى ، وشراب سائغ . وملبس جميل . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا باللَّه إيمانا حقا ، لا تحرموا على أنفسكم شيئا من الطيبات التي أحلها اللَّه لكم ، فإنه - سبحانه - ما أحلها لكم إلا لما فيها من منافع وفوائد تعينكم على شؤون دينكم ودنياكم . وقوله : * ( ولا تَعْتَدُوا ) * تأكيد للنهي السابق . والتعدي معناه : تجاوز الحدود التي شرعها اللَّه - تعالى - عن طريق الإسراف أو عن طريق التقتير . أو عن طريق الاعتداء على حق الغير أو عن أي طريق يخالف ما شرعه اللَّه - تعالى - . وقوله : * ( إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) * في موضع التعليل لما قبله . أي : لا تحرموا - أيها المؤمنون - على أنفسكم ما أحله اللَّه لكم من طيبات ولا تتجاوزوا حدوده بالإسراف . أو بالتقتير أو بتناول ما حرمه عليكم فإنه - سبحانه - لا يحب الذين يتجاوزون حدود شريعته ، وسنن فطرته . وهدى نبيه صلى اللَّه عليه وسلم . وبعد أن نهى - سبحانه - عن تحريم الطيبات أمر بتناولها والتمتع بها فقال : * ( وكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه حَلالًا طَيِّباً ، واتَّقُوا اللَّه الَّذِي أَنْتُمْ بِه مُؤْمِنُونَ ) * . والأمر في قوله * ( وكُلُوا ) * للإباحة . وقيل إنه للندب . ويرى بعضهم أنه للوجوب لأن من الواجب على المؤمن ألا يترك أمرا أباحه اللَّه - تعالى - تركا مطلقا لأن هذا الترك يكون من باب تحريم ما أحله اللَّه . أي : وكلوا - أيها المؤمنون - من الرزق الحلال الطيب الذي رزقكم اللَّه إياه ، وتفضل عليكم به * ( واتَّقُوا اللَّه الَّذِي أَنْتُمْ بِه مُؤْمِنُونَ ) * بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه ، وتلتزموا في مأكلكم ومشربكم وملبسكم وسائر شئونكم حدود شريعته ، وتوجيهات رسوله صلى اللَّه عليه وسلم . والمراد بالأكل هنا التمتع بألوان الطيبات التي أحلها اللَّه ، فيدخل فيه الشرب مما كان حلالا ، وكذلك يدخل فيه كل ما أباحه - سبحانه - من متعة طيبة تميل إليها النفوس وتشتهيها .