سيد محمد طنطاوي

249

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : ذلك اللعن للكافرين من بني إسرائيل سببه عصيانهم للَّه ولرسله ، وعدوانهم على الذين يأمرونهم بالقسط من الناس . أي أن لعنهم لم يكن اعتباطا أو جزافا ، وإنما كان بسبب أقوالهم القبيحة وأفعالهم المنكرة ، وسلوكهم السيئ . وقوله : * ( ذلِكَ بِما عَصَوْا ) * جملة من مبتدأ وخبر . وقوله : * ( وكانُوا يَعْتَدُونَ ) * معطوف على صلة ما وهو * ( عَصَوْا ) * فيكون داخلا في حيز السبب الذي أدى إلى لعنهم والجملة المكونة من اسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * وما بعدها مستأنفة واقعة موقع الجواب لسؤال تقديره لما ذا لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ؟ وقد أفاد اسم الإشارة مع باء السببية ومع وقوع الجملة في جواب سؤال مقدر أفاد مجموع ذلك ما يشبه القصر . وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : * ( ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ) * . أي : لم يكن ذلك اللعن الشنيع إلا لأجل المعصية والاعتداء لا لشيء آخر ، « 1 » . وعبر - سبحانه - عن عصيانهم بالماضي فقال * ( ذلِكَ بِما عَصَوْا ) * للإشارة إلى استقرار العصيان في طبائعهم ، وثباته في نفوسهم وجوارحهم . وعبر عن عدوانهم بالمضارع ، للإيذان بأنه مستمر قائم ، فهم لم يتركوا نبيا إلا وآذوه ، ولم يتركوا مصلحا إلا واعتدوا عليه فاعتداؤهم على المصلحين مستمر في كل زمان ومكان . ثم فسر - سبحانه - عصيانهم وعدوانهم بقوله * ( كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوه ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) * . وقوله * ( يَتَناهَوْنَ ) * من التناهي . قال الفخر الرازي : وللتناهى هاهنا معنيان : أحدهما : وهو الذي عليه الجمهور - أنه تفاعل من النهى . أي : كانوا لا ينهى بعضهم بعضا . روى ابن مسعود عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من رضى عمل قوم فهو منهم . ومن كثر سواد قوم فهو منهم » والمعنى الثاني : في التناهي أنه بمعنى الانتهاء عن الأمر ، تناهى عنه إذا كف عنه » « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 667 ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 64