سيد محمد طنطاوي
250
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمنكر : هو كل ما تنكره الشرائع والعقول من الأقوال والأفعال . أي أن مظاهر عصيان الكافرين من بني إسرائيل وتعديهم مما أدى إلى لعنهم وطردهم من رحمة اللَّه أنهم كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن اقتراف المنكرات . واجتراح السيئات ، بل كانوا يرون المنكرات ترتكب فيسكتون عنها بدون استنكار مع قدرتهم على منعها قبل وقوعها . وهذا شر ما تصاب به الأمم حاضرها ومستقبلها : أن تفشو فيها المنكرات والسيئات والرذائل فلا تجد من يستطيع تغييرها وإزالتها . وقوله : * ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) * ذم لهم على كثرة ولوغهم في المعاصي والمنكرات وتعجب من سوء فعلهم . واللام في قوله * ( لَبِئْسَ ) * لام القسم فكأنه - سبحانه - قال : أقسم لبئس ما كانوا يفعلون وهو ارتكاب المعاصي والعدوان وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) * للتعجيب من سوء فعلهم مؤكدا لذلك بالقسم . فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير ، وقلة عبئهم به ، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام اللَّه وما فيه من المبالغات في هذا الباب . فإن قلت ما معنى وصف المنكر بفعلوه ، ولا يكون النهى بعد الفعل ؟ قلت : معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه ، أو عن منكر أرادوا فعله كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فتنكر » « 1 » . هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهما قوام الأمم وسياج الدين ولإصلاح لأمة من الأمم إلا بالقيام بحقهما . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث في هذا المعنى . ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده . فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » . وروى الإمام أحمد في معنى الآية عن عبد اللَّه بن مسعود قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم أو في أسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 667 .