سيد محمد طنطاوي

24

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( مُحِلِّي ) * جمع محل بمعنى مستحل . والصيد مصدر بمعنى الاصطياد . أو اسم للحيوان المصيد . وقوله : * ( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ) * حال من الضمير في * ( لَكُمْ ) * . وقوله : * ( وأَنْتُمْ حُرُمٌ ) * ، حال من الضمير في * ( مُحِلِّي ) * والمعنى : يا أيها الذين آمنوا كونوا أوفياء بعهودكم مع اللَّه ومع أنفسكم ومع غيركم ، فقد أحل اللَّه - تعالى - بهيمة الأنعام لتنتفعوا بها فضلا منه وكرما ، إلا أنه - سبحانه - حرم عليكم أشياء رحمة بكم فاجتنبوها ، كما حرم عليكم الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة ، سواء كنتم في الحل أم كنتم في الحرم ، ويدخل في حكم المحرم من كان في الحرم وليس محرما . وذلك لأن المحرم أو من كان في أرض الحرم يجب عليه أن يكون مشتغلا بما يرضى اللَّه ، وأن يحترم هذه الأماكن المقدسة التي جعلها اللَّه أماكن أمان ، واطمئنان وعبادة للَّه رب العالمين . وقد دعا اللَّه - تعالى - المؤمنين إلى الوفاء بالعقود وناداهم بوصف الإيمان ، ليحثهم على امتثال ما كلفهم به ، لأن الشأن في المؤمن أن يمتثل لما أمره اللَّه به أو لما نهاه عنه . روى ابن أبي حاتم ، أن رجلا أتى عبد اللَّه بن مسعود فقال : اعهد إلى . فقال له : إذا سمعت اللَّه يقول * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) * فارعها سمعك فإنه خير يأمر به ، أو شر ينهى عنه وقوله : * ( إِنَّ اللَّه يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ) * تذييل قصد به بيان مشيئة اللَّه النافذة ، وإرادته الشاملة ، وحكمه الذي لا يعقب عليه معقب . أي : إن اللَّه يحكم بما يريد أن يحكم به من الأحكام التي تتعلق بالحلال وبالحرام وبغيرهما ، بمقتضى مشيئته المبنية على الحكم البالغة ، دون أن ينازعه منازع ، أو يعارضه معارض ، فاستجيبوا - أيها المؤمنون - لحكمه لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة . هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الوفاء بالعهود التي شرعها اللَّه - تعالى - وهذا المعنى ترى سورة المائدة زاخرة به في كثير من آياتها . فأنت ترى في مطلعها هذه الآية الكريمة التي تحض على الوفاء بالعقود ، ثم ترى الآية الثانية منها تنهى عن الإخلال بشيء من شعائر اللَّه ، ثم تراها بعد ذلك بقليل تذكر المؤمنين بنعم اللَّه عليهم وبميثاقه الذي واثقهم به : واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ومِيثاقَه الَّذِي واثَقَكُمْ بِه . ثم تحكى أن من الأسباب التي أدت إلى طرد بني إسرائيل من رحمة اللَّه ، نقضهم لمواثيقهم . فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ .