سيد محمد طنطاوي
25
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهكذا نرى السورة الكريمة حافلة بالتوجيهات التي تحض المؤمنين على التزام العهود والمواثيق التي شرعها اللَّه وتحذرهم عاقبة إهمالها ، أو الإخلال بشيء منها . كما أخذ العلماء منها حل بهيمة الأنعام من جهة الانتفاع بلحومها وجلودها وأصوافها . وحرمة ما حرم اللَّه - تعالى - منها في مواطن أخرى . كما أخذوا منها حرمة الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد على من كان محرما بحج أو عمرة ، وعلى من كان في أرض الحرم ولو لم يكن محرما . قال القرطبي : وهذه الآية تلوح فصاحتها . وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام فإنها تضمنت خمسة أحكام : الأول : الأمر بالوفاء بالعقود . الثاني : تحليل بهيمة الأنعام . الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك . الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد . الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم . وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا شيئا مثل هذا القرآن فقال : نعم أعمل مثل بعضه . فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : واللَّه ما أقدر ولا يطيق هذا أحد . إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة . فنظرت فإذا هو نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا « 1 » . وبعد أن أشار - سبحانه - إلى ما أحل لعباده من طيبات ، وما حظره عليهم من أفعال ، أتبع ذلك بنداء آخر إليهم نهاهم فيه عن استحلال أشياء معينة فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 6 ص 31 .