سيد محمد طنطاوي
248
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله * ( لُعِنَ ) * من اللعن بمعنى الطرد من رحمة اللَّه فالملعون هو المحروم من رحمته - سبحانه - ولطفه وعنايته . والمعنى : لعن اللَّه - تعالى - الذين كفروا من بني إسرائيل بأن طردهم من رحمته ، على لسان نبيين كريمين هما داود وعيسى - عليهما السلام - وقد جاء الفعل « لعن » بالبناء للمجهول لأن الفاعل معلوم وهو اللَّه - تعالى - ولأن الأنبياء ومنهم داود وعيسى لا يلعنون أحدا إلا بإذن اللَّه - سبحانه - وقوله : * ( مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ) * في محل نصب على الحال من الذين كفروا أو من فاعل * ( كَفَرُوا ) * وهو واو الجماعة . وقوله : * ( عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) * متعلق بلعن . أي : لعنهم - سبحانه - في الزبور والإنجيل على لسان هذين النبيين الكريمين اللذين كان أولهما - بجانب منصب الرسالة - قائدا مظفرا قادهم إلى النصر بعد الهزيمة . وكان ثانيهما وهو عيسى - عليه السلام - رسولا مسالما جاءهم ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم . قال الآلوسي : لعنهم اللَّه - تعالى - في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى ابن مريم بأن أنزل في هذين الكتابين « ملعون من يكفر من بني إسرائيل باللَّه أو بأحد من رسله » . وقيل : إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود : اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين فمسخهم اللَّه قردة . وأصحاب المائدة لما كفروا بعيسى قال : اللهم عذب من كفر من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين ، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت » « 1 » . وقوله : * ( ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ) * بيان لسبب لعنهم وطردهم من رحمة اللَّه . واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * يعود إلى اللعن المذكور .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 211