سيد محمد طنطاوي
235
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهذا - كما قلنا مرارا - من إنصاف القرآن للناس في أحكامه ، ودقته في ألفاظه ، واحتراسه فيما يصدر من أحكامه . وقوله : * ( واللَّه بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ) * تذييل قصد به بطلان حسبانهم المذكور ، والبصير مبالغة في المبصر وهو هنا بمعنى العليم بكل ما يكون منهم من أعمال سواه أبصرها الناس أم لم يبصروها . والمقصود من هذا الخبر لازم معناه ، وهو الإنذار والتذكير بأن اللَّه لا يخفى عليه شيء . وسيحاسبهم على أعمالهم . أي : واللَّه - تعالى - عليم بما يعملونه علم من يبصر كل شيء دون أن تخفى عليه خافية ، وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقونه من عذاب أليم . هذا ، وقد تكلم المفسرون عن وقت التوبة التي كانت بعد عماهم وصممهم وعن العمى والصمم الذي أصابهم بعد ذلك وقد أجمل الإمام الرازي كلامهم فقال : والآية تدل على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين . واختلف المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه : الأول : المراد أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى - عليهم السلام - ثم تاب اللَّه على بعضهم حيث وفق بعضهم للإيمان : ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد صلى اللَّه عليه وسلم بأن أنكروا نبوته . وقلة منهم هي التي آمنت به . الثاني : المراد أنهم عموا وصموا حين عبدوا العجل ، ثم تابوا عنه فتاب اللَّه عليهم ، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت وهو طلبهم رؤية اللَّه جهرة . الثالث : قال القفال : ذكر اللَّه - تعالى - في سورة الإسراء ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال : وقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً « 1 » . والذي نراه أن تحديد عماهم وصممهم وتوبتهم بزمان معين أو بجريمة أو جرائم معينة تابوا بعدها هذا التحديد غير مقنع . ولعل أحسن منه أن نقول : إن القرآن الكريم يصور ما عليه بنو إسرائيل من صفات ذميمة ، وطبائع معوجة ، ومن نقض للعهود والمواثيق . فهم أخذ اللَّه عليهم العهود فنقضوها ، وأرسل إليهم الرسل فاعتدوا عليهم وظنوا أن عدوانهم هذا شيء هين ولن يصيبهم بسببه عقاب
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 57