سيد محمد طنطاوي
234
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقرأه الباقون بفتح النون على اعتبار أن « أن » ناصبة لتكون . وحسب على هذه القراءة على بابها من الشك والظن . وسد مسد مفعولي حسب على القراءتين ما اشتمل عليه الكلام من المسند والمسند إليه وهو أن وما في حيزها . وقوله * ( فَعَمُوا ) * معطوف على * ( حَسِبُوا ) * وجئ بالفاء التي للسببية للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها . أي أن عماهم عن الطريق القويم وصممهم عن سماع الحق كان سببه ظنهم الفاسد ، واعتقادهم الباطل أن ما ارتكبوه من قبائح لن يعاقبوا عليه في الدنيا . ومن بديع إيجاز القرآن الكريم أن أومأ إلى عدم اهتمامهم بمصيرهم في الآخرة ببيان أن ظنهم لن تنزل بهم مصائب في الدنيا يسبب مفاسدهم ، هذا الظن هو الذي جعلهم يرتكبون ما يرتكبون من قبائح . . أما الآخرة فلامكان لها في تفكيرهم ، لأنهم قوم تعساء يحرصون على الدنيا حرصا شديدا دون أن يعيروا الآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب أي اهتمام . وهذا شأن الأمم إذا ما استحوذ عليها الشيطان وتغلب عليها حب الشهوات وضعف الوازع الديني في نفوس أفرادها . إنهم في هذه الحالة يصير همهم مقصورا على تدبير شؤون دنياهم ، فإذا ما وجدوا فيها مأكلهم وشربهم وملذاتهم اغمضوا أعينهم عن آخرتهم ، بل وربما استهانوا وتهكموا بمن يذكرهم بها فتكون نتيجة إيثارهم الدنيا على الآخرة الشقاء والتعاسة . وجئ بحرف العطف * ( ثُمَّ ) * المفيد للتراخي في قوله * ( ثُمَّ تابَ اللَّه عَلَيْهِمْ ) * للإشارة إلى أن قبول توبتهم كان بعد مفاسد عظيمة وقعت منهم أي : ثم تاب اللَّه عليهم بعد أن كان منهم ما كان من منكرات وجرائم وإعراض عن الرشد والهدى . وقوله * ( ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا ) * بيان لنقضهم لعهودهم مع اللَّه ، وارتكاسهم في الذنوب والخطايا والمنكرات . ارتكاسا شديدا بحيث صاروا ليسوا أهلا لقبول التوبة منهم بعد ذلك . أي : بعد أن قبل اللَّه توبتهم من جرائمهم المنكرة . عادوا إلى الانتكاس مرة أخرى فوقعوا في الذنوب والجرائم بإصرار وعناد فأصابهم ما أصابهم من عقوبات لم يتب اللَّه عليهم بعدها . وقوله * ( كَثِيرٌ مِنْهُمْ ) * بدل من الضمير في قوله * ( عَمُوا وصَمُّوا ) * وهذا الإبدال في غاية الحسن . لأنه لو قال * ( عَمُوا وصَمُّوا ) * بدون هذا البدل لأوهم ذلك أنهم جميعا صاروا كذلك . فلما قال * ( كَثِيرٌ مِنْهُمْ ) * دل على أن العمى والصمم قد حدث للكثيرين منهم ، وهناك قلة منهم لم تنقض عهودها مع اللَّه - تعالى - بل بقيت على إيمانها وصدق توبتها .