سيد محمد طنطاوي

211

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من رذائلهم فقال : * ( وتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الإِثْمِ والْعُدْوانِ وأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) * . والرؤية في قوله : * ( وتَرى ) * بصرية . والإثم : هو كل قول أو عمل لا يرضاه اللَّه - تعالى - . والعدوان : مجاوزة الحد في الظلم والتعدي . والسحت : هو المال الحرام كالرشوة وغيرها . أي : وترى - أيها الرسول الكريم أو أيها السامع - كثيرا من هؤلاء اليهود ، يسارعون في ارتكاب الآثام وفي التعدي والظلم وأكل المال الحرام بدون تردد أو تريث . والتعبير بقوله : * ( وتَرى ) * يفيد أن ارتكابهم لهذه المنكرات لم يكن خافيا أو مستورا ، وإنما هم يرتكبونها مجاهرة وعلانية ، لأن فضيلة الحياء قد نضبت من وجوههم . والمسارعة في الشيء : المبادرة إليه بسرعة وخفة ونشاط ، وأكثر استعمالها في الخير كما قال - تعالى - أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ « 1 » نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ « 2 » وقد استعملت هنا في مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت ، للإشارة إلى أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات وكأنهم محقون فيها . والتعدية بحرف * ( فِي ) * تؤذن بأنهم مغمورون في الآثام وأنهم يتنقلون فيها من حال إلى حال أخرى شر منها ، حتى لكأن السير في طريق الحق والصدق والفضيلة صار غير مألوف عندهم . وقوله : * ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * تذييل قصد به تقبيح أعمالهم التي يأباها الدين والخلق الكريم . أي : لبئس شيئا كانوا يعملونه هذه المنكرات التي منها مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت . وهذه الجملة هي حكم من اللَّه - تعالى - عليهم بذم أعمالهم . وقد جمع - سبحانه - في حكمه بين صيغة الماضي * ( كانُوا ) * وصيغة المضارع * ( يَعْمَلُونَ ) * للإشارة إلى أن هذا العمل القبيح كان منهم في الماضي ، وأنهم قد استمروا عليه في حاضرهم ومستقبلهم بدون توبة أو ندم . وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم بالقسم ، وباللام الموطئة للقسم ، وبكلمة بئس الدالة على

--> ( 1 ) سورة المؤمنون . الآية 61 . ( 2 ) سورة المؤمنون الآية 56 .