سيد محمد طنطاوي

212

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

شدة الذم . أي : أقسم لبئس العمل الذي كان هؤلاء يعملونه من مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت . ثم وبخ - سبحانه - رؤساء هؤلاء اليهود على سكوتهم على المنكر فقال : * ( لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) * . و * ( لَوْ لا ) * هنا للحض على الفعل في المستقبل ، وللتوبيخ على تركه في الماضي فهي لتوبيخ علماء اليهود على تركهم فضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في الماضي . ولحضهم على مباشرتها في المستقبل . وهي هنا بمعنى هلا . والربانيون : كما يقول ابن جرير - جمع رباني . وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس ، وتدبير أمورهم ، والقيام بمصالحهم . والأحبار - جمع حبر - وهم علماء اليهود وفقهاؤهم المفسرون لما ورد في التوراة من أقوال وأحكام . والمعنى : إن هؤلاء اليهود دأبهم المسارعة إلى اقتراف الآثام وإلى أكل المال الحرام ، فهلا ينهاهم علماؤهم عن هذه الأقوال الكاذبة الباطلة ، وعن تلك المآكل الخبيثة التي أكلوها عن طريق السحت . والسحت - كما سبق أن بينا - هو المال الحرام كالربا والرشوة . سمى سحتا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة أي مقطوعها . أو لأنه يذهب فضيلة الإنسان ويستأصلها . واليهود أرغب الناس في المال الحرام وأحرصهم عليه . وقد وبخ اللَّه - تعالى - علماء اليهود وفقهاءهم على عدم نهيهم لهم عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ، لأن هاتين الرذيلتين هما جماع الرذائل ، إذ القول الباطل الكاذب إذا ما تعود عليه الإنسان هانت عليه الفضائل ، وقال في الناس ما ليس فيهم بدون تحرج أو حياء . وأكل السحت يقتل في نفسه المروءة والشرف ، ويجعله يستهين بحقوق الناس وأموالهم . ولقد ألف علماء اليهود أكل أموال الناس بالباطل بدعوى أن هذا الأكل سيغفره اللَّه لهم ، ألا ترى قول اللَّه - تعالى - : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الأَدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا « 1 » . قال بعض العلماء : واقتصر - سبحانه - في توبيخ الربانيين على ترك نهيهم عن قول الإثم

--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 169 .