سيد محمد طنطاوي

198

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ومنه قوله - تعالى - وعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أي : غلبني في الخطاب . والمعنى : إن من صفات هؤلاء القوم الذين يأتي اللَّه بهم بدل الذين كفروا بعد إيمانهم ، أنهم أرقاء على المؤمنين ، عاطفون عليهم متواضعون لهم ، تفيض قلوبهم حنوا وشفقة بهم . وأنهم في الوقت نفسه أشداء على الكافرين ، ينظرون إليهم نظرة العزيز الغالب ، لا نظرة الضعيف الخانع . وهذه - كما يقول ابن كثير - صفات المؤمنين الكمل . أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه ، متعززا على خصمه وعدوه كما قال - تعالى - : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه والَّذِينَ مَعَه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ومن صفات الرسول صلى اللَّه عليه وسلم : « أنه الضحوك القتال » فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه » « 1 » . وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما : أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل : عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع . والثاني : أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين - خافضون لهم أجنحتهم » « 2 » . وقال الطيبي : إن قوله - تعالى - * ( أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ) * جيء به للتكميل ، لأنه لما وصفهم قبل ذلك بالتذلل ، ربما يتوهم أحد أنهم أذلاء محقرون في أنفسهم فدفع ذلك الوهم بأنهم مع ذلتهم على المؤمنين أعزة على الكافرين على حد قول القائل : جلوس في مجالسهم رزان وإن ضيم ألم بهم خفاف ثم وصفهم - ثالثا - بقوله : * ( يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) * وقوله : * ( يُجاهِدُونَ ) * من المجاهدة وهي بذل الجهد ونهاية الطاقة من أجل الوصول إلى المقصد الذي يسعى إليه الساعي . وقوله : * ( فِي سَبِيلِ اللَّه ) * أي في سبيل إعلاء دين اللَّه ، وإعزاز كلمته وليس في سبيل الهوى أو الشيطان .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 70 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 698 .