سيد محمد طنطاوي
199
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
واللومة : هي المرة الواحدة من اللوم . وهو بمعنى اعتراض المعترضين ، ومخالفة المخالفين وعدم رضاهم عن هؤلاء القوم . والمعنى : أن من صفات هؤلاء القوم - أيضا - أنهم يبذلون أقصى جهدهم في سبيل إعلاء كلمة اللَّه والعمل على مرضاته ، وأنهم في جهادهم وجهرهم بكلمة الحق ، وحرصهم على ما يرضيه - سبحانه - لا يخافون لوما قط من أي لائم كائنا من كان . لأن خشيتهم ليست إلا من اللَّه وحده . وعبر - سبحانه - بلومة - بصيغة الإفراد والتنكير ، للمبالغة في نفى الخوف عنهم سواء أصدر اللوم لهم من كبير أم من صغير . وسواء أكانت اللومة شديدة أم رفيقة . . فهم - كما يقول الزمخشري - : صلاب في دينهم ، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين لإنكار منكر أو أمر بمعروف - مضوا فيه كالمسامير المحماة ، لا يرعبهم قول قائل ، ولا اعتراض معترض ، ولا لومة لائم ، والجملة على هذا معطوفة على * ( يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ) * . ويحتمل أن تكون الواو للحال . أي أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين الذين كانوا إذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود ، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم ، وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه اللَّه لا يخافون لومة لائم » « 1 » . وقد ذكر المفسرون أقوالا متعددة في المراد بهؤلاء القوم الذين وصفهم اللَّه - تعالى - بتلك الصفات الكريمة ، والذين يأتي بهم بدل أولئك الذين يرتدون على أعقابهم . قال بعضهم : المراد بهم أبو بكر ومن معه من المؤمنين الذين قاتلوا المرتدين . وقال آخرون : المراد بهم الأنصار الذين نصروا النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأيدوه . وقال مجاهد : المراد بهم أهل اليمن . . . وقيل غير ذلك . والذي نراه أنهم قوم ليسوا مخصوصين بزمن معين أو بلد معين ، أو أشخاص معينين ، وإنما هم كل من تنطبق عليهم هذه الصفات الجليلة . فكل من أحب اللَّه وأحبه اللَّه ، وتواضع للمؤمنين وأغلظ على الكافرين . وجاهد في سبيل اللَّه دون أن يخشى أحدا سواه فهو منهم ، أما ذواتهم فيعلمها اللَّه وحده ، لأنه لم يرد نص صحيح يعتمد عليه في بيان المراد بهؤلاء القوم . واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ فَضْلُ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشاءُ واللَّه واسِعٌ عَلِيمٌ ) * يعود على ما تقدم ذكره من أوصاف القوم .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 698 .