سيد محمد طنطاوي
192
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الجانبين - فهم كما يقال : يصلون خلف على ويأكلون على مائدة معاوية - وأبلغ من كل ذلك وصف اللَّه لهم بقوله : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ ولا إِلى هؤُلاءِ . والتعبير بقوله - سبحانه - ترى . . تصوير للحال الواقعة منهم بأنها كالمرئية المكشوفة التي لا تخفى على العقلاء البصراء . وفي ذلك تسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم وتحذير له ولأصحابه من مكر أولئك الذين في قلوبهم مرض . والتعبير بقوله : * ( يُسارِعُونَ فِيهِمْ ) * يشير إلى أنهم لا يدخلون ابتداء في صفوف الأعداء « وإنما هم منغمرون فيهم دائما » ولا يخرجون عن دائرتهم بل ينتقلون في صفوفهم بسرعة ونشاط من دركة إلى دركة ، ومن إثم إلى آثام . وقوله - تعالى - حكاية عنهم : * ( يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ) * بيان لما اعتذروا به من معاذير كاذبة تدل على سقوط همتهم ، وقلة ثقتهم بما وعد اللَّه به المؤمنين من حسن العاقبة . ولذا فقد رد اللَّه عليهم بما يكبتهم ، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم فقال تعالى : * ( فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ) * . وعسى : لفظ يدل على الرجاء والطمع في الحصول على المأمول ، وإذا صدر من اللَّه - تعالى - كان متحقق الوقوع لأنه صادر من أكرم الأكرمين الذي لا يخلف وعده ، ولا يخيب من رجاه . والفتح يطلق بمعنى التوسعة بعد الضيق كما في قوله : ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ . ويطلق بمعنى الفصل بين الحق والباطل . ومن ذلك قوله - تعالى - : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ ويطلق بمعنى الظفر والنصر كما في قوله - تعالى - إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . ولفظ الفتح هنا يشمل هذه الأمور الثلاثة فهو سعة بعد ضيق ، وفصل بين حق وباطل ، ونصر بعد جهاد طويل . والمعنى : لا تهتموا أيها المؤمنون بمسارعة هؤلاء الذين في قلوبهم مرض إلى صفوف أعدائكم وارتمائهم في أحضانهم خشية أن تصيبهم دائرة ، فلعل اللَّه - عز وجل - بفضله وصدق وعده أن يأتي بالخير العميم والنصر المؤزر الذي يظهر دينه . ويجعل كلمته هي العليا . . أو يأتي بأمر من عنده لا أثر لكم فيه فيزلزل قلوب أعدائكم ، وينصركم عليهم ، ويجعل الهزيمة والندم للموالين لأعدائكم ، وبسبب شكهم في أن تكون العاقبة للإسلام والمسلمين . ولقد صدق اللَّه وعده ، ففضح المنافقين وأذلهم ، وأنزل الهزيمة باليهود ، وأورث المؤمنين