سيد محمد طنطاوي
193
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أرضهم وديارهم وأموالهم . وقد جاء التعبير في قوله - تعالى - : * ( فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ) * بصيغة الرجاء ، لتعليم المؤمنين عدم اليأس من رحمة اللَّه ، ومن مجيء نصره ، ولتعويدهم على أن يتوجهوا إليه - سبحانه - في مطالبهم بالرجاء الصادق ، والأمل الخالص . قال الفخر الرازي : فإن قيل : شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين . وقوله : * ( فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه ) * ليس كذلك ، لأن الإتيان بالفتح داخل في قوله : * ( أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه ) * . قلنا : قوله : * ( أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه ) * معناه : أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل البتة ، كبني النضير الذين طرح اللَّه في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر « 1 » . والضمير في قوله : * ( فَيُصْبِحُوا ) * يعود على أولئك المنافقين الذين في قلوبهم مرض والجملة معطوفة على * ( أَنْ يَأْتِيَ ) * داخل معه في حيز خبر عسى . وعبر - سبحانه - عن ندمهم بالوصف * ( نادِمِينَ ) * لا بالفعل ، للإيذان بأنه ندم دائم تصحبه الحسرات والآلام المستمرة ، بسبب ما وقعوا فيه من ظن فاسد ، وأمل خائب . ثم حكى - سبحانه - ما قاله المؤمنون الصادقون على سبيل الإنكار لمسالك المنافقين الخبيثة وتوبيخهم على ضعف إيمانهم ، وهوان نفوسهم فقال - تعالى - : * ( ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ) * . قال الآلوسي : قوله : * ( ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) * كلام مستأنف لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة : - وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي بإثبات الواو مع الرفع . وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واو على أنه استئناف بيانى ، كأنه قيل : فماذا يقول المؤمنون حينئذ ؟ . وقرأ أبو عمرو ويعقوب : ويقول بالنصب عطفا على * ( فَيُصْبِحُوا ) * « 2 » . وقوله : * ( جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) * أي : أقوى أيمانهم وأغلظها . والجهد : الوسع والطاقة والمشقة . يقال جهد نفسه يجهدها في الأمر إذا بلغ بها أقصى وسعها وطاقتها فيه . والمراد : أنهم أكدوا الإيمان ووثقوها بكل ألفاظ التأكيد والتوثيق .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 192 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 159 .