سيد محمد طنطاوي

191

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إن اللَّه لا يهدى القوم الظالمين لأنفسهم إلى الطريق المستقيم ، وإنما يخليهم وشأنهم فيقعون في الكفر والضلال ، والفسوق والعصيان ، بسبب وضعهم الولاية في غير موضعها الحق ، وسيرهم في طريق أعداء اللَّه . وبعد هذا النهى الشديد عن موالاة أعداء اللَّه ، صور القرآن حالة من حالات المنافقين بين فيها كيفية توليهم لأعداء اللَّه ، وأشعر بسببه فقال : * ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ) * . والدائرة : من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها . وأصلها داورة . لأنها من دار يدور . ومعناها لغة : ما أحاط بالشيء . والمراد بها هنا : المصيبة من مصائب الدهر التي تحيط بالناس كما تحيط الدائرة بما في داخلها . والمعنى : فترى - يا محمد أولئك المنافقين الذين ضعف إيمانهم ، وذهب يقينهم ، يسارعون في مناصرة أعداء الإسلام مسارعة الداخل في الشيء ، قائلين في أنفسهم أو للناصحين لهم بالثبات على الحق : اتركونا وشأننا فإننا نخشى أن تنزل بنا مصيبة من المصائب التي يدور بها الزمان كأن تمسنا أزمة مالية ، أو ضائقة اقتصادية ، أو أن يكون النصر في النهاية لهؤلاء الذين نواليهم فنحن نصادقهم ونصافيهم لنتقى شرهم ، ولننال عونهم عند الملمات والضوائق . قال الجمل : والفاء في قوله * ( فَتَرَى ) * إما للسببية المحضة : أي : بسبب أن اللَّه لا يهدى القوم الظالمين المتصفين بما ذكر * ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ ) * وإما للعطف على قوله : * ( إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * من حيث المعنى . والرؤية في قوله * ( فَتَرَى ) * . بصرية ، فتكون جملة يسارعون حال . وقيل علمية فتكون جملة يسارعون مفعولا ثانيا . والأول أنسب بظهور نفاقهم . وقوله : * ( يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ) * حال من ضمير يسارعون « 1 » . والتعبير بقوله : * ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) * تعبير قوى رائع ، وصف القرآن به المنافقين وأشباههم في الكفر والضلال في مواطن كثيرة ، لأنه لما كانت قوة القلب تضرب مثلا للثبات والتماسك . كان ضعف القلب الذي عبر عنه بالمرض يضرب مثلا للخور ، والتردد والتزلزل ، وانهيار النفس . وهذه طبيعة المنافقين ومن على شاكلتهم في كل زمان ومكان . إنهم لا يمكن أن يكونوا صرحاء في انحيازهم إلى ناحية معينة . وإنما هم يترددون بين الناحيتين ، ويلتمسون الحظوة في

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 500 .