سيد محمد طنطاوي

184

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

واحدة لفعل ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، وإنما شاء أن يجعلكم أمما متعددة ليختبركم فيما آتاكم من شرائع مختلفة في بعض فروعها ولكنها متحدة في جوهرها وأصولها فيجازى من أطاعه بما يستحقه من ثواب ويجازى من خالف أمره بما يستحقه من عذاب . وقوله : * ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) * حض منه - سبحانه - لعباده على الاجتهاد في فعل الطاعات . أي إذا كان الأمر كما وصفت لكم . فسارعوا إلى القيام بالأعمال الصالحة التي تسعدكم في الدنيا والآخرة ، وتنافسوا في تحصيلها بكل عزيمة ونشاط لتنالوا رضا اللَّه - تعالى - وجزيل مثوبته . * ( فَاسْتَبِقُوا ) * بمعنى فتسابقوا ، ولتضمنه معنى السبق والابتدار تعدى بنفسه من غير إلى كما في قوله - تعالى - واسْتَبَقَا الْبابَ أي : حاول كل واحد منهما الابتدار والوصول إلى الباب قبل الآخر . وقوله * ( إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيه تَخْتَلِفُونَ ) * استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات . وقوله * ( فَيُنَبِّئُكُمْ ) * أي فيخبركم والمراد بالإنباء والإخبار هنا المجازاة على الأعمال ، وإنما عبر عنها بالإنباء لوقوعها موقع إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الأنبياء . أي : إلى اللَّه وحده مصيركم ومرجعكم ، فيخبركم عند الحساب بما كنتم تختلفون فيه في الدنيا ، ويجازيكم بما تستحقون : فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم منه - سبحانه - جزيل الثواب . وأما الذين طغوا وآثروا الحياة الدنيا فلهم منه شديد العقاب . ثم كرر - سبحانه - الأمر لنبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم بأن يحكم بين اليهود وغيرهم بما أنزله اللَّه - تعالى - وحذره من مكرهم وكيدهم فقال : * ( وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ واحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْكَ ) * . أخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - قال : قال كعب بن أسد وابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه : فأتوه فقالوا : يا محمد ، إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم وإنا إن اتبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا . وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم ، ونؤمن لك ونصدق فأبى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ذلك . فأنزل اللَّه فيهم : * ( وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ) *