سيد محمد طنطاوي
185
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
إلى قوله : * ( ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّه حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) * « 1 » . وقوله : * ( وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ) * في محل نصب عطفا على الكتاب في قوله : * ( وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ) * . وقوله : * ( أَنْ يَفْتِنُوكَ ) * بدل اشتمال من المفعول في * ( واحْذَرْهُمْ ) * كأنه قيل : واحذر فتنتهم كما تقول : أعجبني زيد علمه . والمراد بالفتنة هنا محاولة إضلاله وصرفه عن الحكم بما أنزل اللَّه . والمعنى : وأنزلنا إليك الكتاب يا محمد فيه حكم اللَّه ، وأنزلنا إليك فيه أن أحكم بينهم بما أنزل اللَّه ، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، واحذرهم أن يضلوك أو يصدوك عن بعض ما أنزلناه إليك ولو كان أقل قليل بأن يصوروا لك الباطل في صورة الحق ، أو بأن يحاولوا حملك على الحكم الذي يناسب شهواتهم : وقد كرر - سبحانه - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم وجوب التزامه في أحكامه بما أنزل اللَّه ، لتأكيد هذا الأمر في مقام يستدعى التأكيد ، لأن اليهود كانوا لا يكفون عن محاولتهم فتنته صلى اللَّه عليه وسلم وإغراءه بالميل إلى الأحكام التي تتفق مع أهوائهم ، ولأنه قد جاء في الآية السابقة ما قد يوهم بأن لكل قوم شريعة خاصة بهم * ( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً ) * وأن حكم القرآن ليس له صفة العموم فأراد - سبحانه - أن ينفى هذا الوهم نفيا واضحا وأن يؤكد أن شريعة القرآن هي الشريعة العامة الخالدة التي يجب أن يتحاكم إليها الناس في كل زمان ومكان ، لأنها نسخت ما سبقها من شرائع . وقوله - تعالى - * ( واحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْكَ ) * تيئيس لأولئك اليهود الذين حاولوا إغراء الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بأن يقضى لهم بما يرضيهم لكي يتبعوه ، ونهى له صلى اللَّه عليه وسلم ولأتباعه عن الاستجابة لأهواء هؤلاء ولو في أقل القليل مما يتنافى مع الحق الذي أمره اللَّه - تعالى - بالسير عليه في القضاء بين الناس . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة كل من يعرض عن حكم اللَّه - تعالى - فقال : * ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّه أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ) * . أي : فإن تولوا عن حكمك ، وأعرضوا عنك بعد تحاكمهم إليك وأرادوا الحكم بغير ما أنزل اللَّه . فاعلم أن حكمة اللَّه قد اقتضت أن يعاقبهم بسبب بعض هذه الذنوب التي اقترفوها بتوليهم عن حكم اللَّه ، وإعراضهم عنك ، وانصرافهم عن الهدى والرشاد إلى الغي والضلال ، لأن الأمة التي لا تخضع لأحكام شرع اللَّه ، وتسير وراء لذائذها ومتعها وشهواتها وأهوائها
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 273 .