سيد محمد طنطاوي

183

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والتحلي بمكارم الأخلاق ، فلا يتعلق به اختلاف في أي شريعة من الشرائع ، أو أي دين من الأديان . وقد تكلم عن هذا المعنى الإمام ابن كثير فقال : قوله : * ( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً ) * هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث اللَّه به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد . كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات - أمهاتهم شتى - ودينهم واحد « يعنى بذلك التوحيد الذي بعث اللَّه به كل رسول أرسله ، وضمنه كل كتاب أنزله ، كما قال - تعالى - : وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْه أَنَّه لا إِله إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ « 1 » . وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الشريعة الأخرى . كما قال - تعالى - في شأن شريعة عيسى : ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وبالعكس ، قد يكون الشيء حلالا في هذه الشريعة ثم يحرم في شريعة أخرى ، فيزداد في الشدة في هذه دون هذه ، وذلك لما له - تعالى - في ذلك من الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة » « 2 » . وقال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : * ( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً ) * الخطاب فيه - كما قال جماعة من المفسرين - للناس كافة الموجودين والماضين بطريق التغليب . واستدل بالآية من ذهب إلى أننا غير متعبدين بشرائع من قبلنا ، لأن الخطاب يعم الأمم ، واللام للاختصاص فيكون لكل أمة دين يخصها . والتحقيق في هذا المقام أننا متعبدون بأحكام الشرائع السابقة من حيث إنها أحكام شريعتنا لا من حيث إنها شريعة للأولين » « 3 » . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته ، وبالغ حكمته فقال : * ( ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ولكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ) * . ومفعول المشيئة هنا محذوف لدلالة الجزاء عليه . وقوله : * ( ولكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ) * متعلق بمحذوف يستدعيه المقام . والابتلاء : الاختبار والامتحان ليميز المطيع من العاصي . والمعنى : لو شاء اللَّه - تعالى - أن يجعل الأمم جميعا أمة واحدة تدين بدين واحد وبشريعة

--> ( 1 ) سورة الأنبياء آية 25 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 67 ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 154 .