سيد محمد طنطاوي

182

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمنهاج : الطريق الواضح في الدين ، من نهج الأمر ينهج إذا وضح . والعطف باعتبار جمع الأوصاف . قال بعضهم . هما كلمتان بمعنى واحد والتكرير للتأكيد . وقيل : ليستا بمعنى واحد . فالشرعة ابتداء الطريق . والمنهاج الطريق المستقيم . وقوله : * ( مِنْكُمْ ) * متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين « كل » . أي : لكل أمة من الأمم الحاضرة والماضية وضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بها ، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام - ، كانت شرعتها ما في التوراة من أحكام . والأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمد - عليهما الصلاة والسلام كانت شرعتها ما في الإنجيل . وأما هذه الأمة الإسلامية فشريعتها ما في القرآن من أحكام ، لأنه مشتمل على ما جاء في الكتب السابقة عليه من أصول الدين وكلياته التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وزاد عليها ما يناسب العصر الذي نزل فيه ، والعصور التي تلت ذلك إلى يوم القيامة . وأهل الكتاب إنما أمروا بأن يتحاكموا إلى كتبهم قبل نسخها بالقرآن الكريم ، أما بعد نزوله ومجئ النبي صلى اللَّه عليه وسلم خاتما للرسالات السماوية ، فقد أصبح من الواجب عليهم الدخول في الإسلام ، واتباع رسوله محمد - صلى اللَّه عليه وسلم في كل ما أمر به أو نهى عنه ، وليس لأحد بعد بعثته صلى اللَّه عليه وسلم إيمان مقبول إلا باتباعه وتصديقه في جميع أقواله وأعماله . والاختلاف في الشرائع إنما يكون فيما يتعلق ببعض الأوامر والنواهي ، وببعض وجوه الحلال والحرام ، وبغير ذلك من فروع الشريعة ، فقد يحرم اللَّه شيئا على قوم عقوبة لهم ، ويحله لقوم آخرين تخفيفا عنهم ، كما قال - تعالى - : وعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ، ومِنَ الْبَقَرِ والْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وإِنَّا لَصادِقُونَ « 1 » . وكما قال - تعالى - حكاية عن عيسى - عليه السلام - : ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ « 2 » . أما ما يتعلق بأصول الشريعة ، وجوهر الدين ، وأساس العقيدة كالأمر بعبادة اللَّه وحده ،

--> ( 1 ) سورة الأنعام . ص 146 ( 2 ) سورة آل عمران الآية 50