سيد محمد طنطاوي
181
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والفاء في قوله : * ( فَاحْكُمْ ) * للإفصاح عن شرط مقدر . أي : إذا كان شأن القرآن كما ذكرت لك يا محمد فاحكم بين هؤلاء اليهود وبين غيرهم من الناس بما أنزله اللَّه من أحكام ، فإن ما أنزله هو الحق الذي لا باطل معه ، ولا تتبع في حكمك أهواء هؤلاء اليهود وأشباههم لأن اتباعك لأهوائهم يجعلك منحرفا ومائلا عما جاءك من الحق الذي لا مرية فيه ولا ريب . ولم يقل - سبحانه - « فاحكم بينهم به » بل ترك الضمير وعبر بالموصول فقال : * ( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ) * للتنبيه على علية ما في حيز الصلة للحكم ، لأن الموصول إذا كان في ضمن حكم تكون الصلة هي علة الحكم . أي : التزم في حكمك بينهم بما يؤيده القرآن لأنه الكتاب الذي أنزله اللَّه عليك . قال بعض العلماء : « وهذا يفيد أن اليهود الذين عاشروا النبي صلى اللَّه عليه وسلم ومن جاؤوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن ، وأنه نسخ ما قبله من الشرائع إلا ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص ، أو ما لم يثبت أنه نسخ والمعول عليه في الحالين هو القرآن وما جاء به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ولقد روى أنه - عليه السلام - ذكر أن موسى لو كان حيا ما وسعه إلا الإيمان به - عليه السلام » « 1 » . والضمير في قوله ، * ( أَهْواءَهُمْ ) * يعود إلى أولئك اليهود الذين كانوا يتحاكمون إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم لا بقصد الوصول إلى الحق ، وإنما بقصد الوصول إلى ما يسهل عليهم احتماله من أحكام . قال الآلوسي : والنهى يجوز أن يكون لمن لا يتصور منه وقوع المنهي عنه ، ولا يقال : كيف نهى صلى اللَّه عليه وسلم عن اتباع أهوائهم ، وهو صلى اللَّه عليه وسلم معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك . وقيل الخطاب له صلى اللَّه عليه وسلم والمراد سائر الحكام » « 2 » . وقوله : * ( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً ) * استئناف جيء به لحمل أهل الكتاب على الانقياد لحكمه صلى اللَّه عليه وسلم بما أنزل اللَّه إليه من الحق . والشرعة والشريعة بمعنى واحد . وهي في الأصل الطريق الظاهر الموصل للماء . والمراد بها هنا ما اشتمل عليه الدين من أحكام تكليفية يجب العمل بها أمرا ونهيا وندبا وإباحة . وسمى ما اشتمل عليه الدين من أحكام شريعة تشبيها بشريعة الماء . من حيث إن كلا منهما سبب الحياة . إذ أن الشريعة الدينية سبب في حياة الأرواح حياة معنوية . كما أن الماء سبب في حياة الأرواح حياة مادية .
--> ( 1 ) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ الأستاذ محمد أبو زهرة . مجلة لواء الإسلام العدد الرابع السنة 21 ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 152