سيد محمد طنطاوي
180
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من هدايات وقد أنزلناه ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وجعلناه * ( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ الْكِتابِ ) * أي : مؤيدا لما في تلك الكتب التي تقدمته : من دعوة إلى عبادة اللَّه وحده ، وإلى التمسك بمكارم الأخلاق . وجعلناه كذلك « مهيمنا عليها » أي : أمينا ورقيبا وحاكما عليها . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد أشار إلى سمو مكانة القرآن من بين الكتب السماوية بإشارات من أهمها : أنه - سبحانه - لم يقل : وقفينا على آثارهم - أي على آثار الأنبياء السابقين - بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم وآتيناه القرآن . كما قال في شأن عيسى ابن مريم * ( وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناه الإِنْجِيلَ ) * . . إلخ . لم يقل ذلك في شأن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وفي شأن القرآن الكريم ، وإنما قال : * ( وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ) * للإشارة إلى معنى استقلاله وعدم تبعيته لغيره من الكتب التي سبقته ، وللإيذان بأن الشريعة التي هذا كتابها هي الشريعة الباقية الخالدة التي لا تقبل النسخ أو التغيير . وأنه - سبحانه - لم يزد في تعريف الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم على تعريفه بلام العهد فقال : * ( وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ) * للإشارة إلى كماله وتفوقه على سائر الكتب . أي : أنه الكتاب الذي هو جدير بهذا الاسم ، بحيث إذا أطلق اسم الكتاب لا ينصرف إلا إليه لأنه الفرد الكامل من بين الكتب في هذا الوجود . وأنه - سبحانه - قد وصفه بأنه قد أنزله ملتبسا بالحق والصدق ، وأنه مؤيد ومقرر لما اشتملت عليه الكتب السماوية من الدعوة إلى الحق والخير ، وأنه - فضلا عن كل ذلك - أمين على تلك الكتب ، وحاكم عليها ، فما أيده من أحكامها وأقوالها فهو حق ، وما لم يؤيده منها فهو باطل . قال ابن كثير : جعل اللَّه هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ، جعله أشملها وأعظمها وأكملها ، لأنه - سبحانه - جمع فيه محاسن ما قبله من الكتب وزاد فيه من الكمالات ما ليس في غيره ، فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها ، وتكفل - سبحانه - بحفظه بنفسه فقال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ « 1 » . وقوله : * ( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ) * أمر من اللَّه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم بأن يلتزم في حكمه بين الناس الأحكام التي أنزلها - سبحانه -
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 2 ص 65