سيد محمد طنطاوي

173

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ويرى بعضهم أن في عين الأعور الدية كاملة لأن منفعته بها كمنفعة ذي عينين أو قريبة منها . وقد توسع الإمام القرطبي في بسط هذه المسائل فارجع إليه إن شئت « 1 » . 4 - أخذ العلماء من هذه الآية أن اللَّه - تعالى - رغب في العفو ، وحض عليه ، وأجزل المثوبة لمن يقوم به فقد قال - تعالى - * ( فَمَنْ تَصَدَّقَ بِه فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَه ) * . أي : فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص فتصدقه كفارة لذنوبه . وقد وردت في الحض على العفو نصوص كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - : فَمَنْ عَفا وأَصْلَحَ فَأَجْرُه عَلَى اللَّه « 2 » وقوله - تعالى - والْكاظِمِينَ الْغَيْظَ والْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ، واللَّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 3 » . وروى الإمام أحمد عن الشعبي أن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « ما من رجل يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر اللَّه عنه مثل ما تصدق به » « 4 » . وروى ابن جرير عن أبي السفر قال : دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار ، فاندقت ثنيته . فرفعه الأنصاري إلى معاوية . فلما ألح عليه الرجل قال معاوية : شأنك وصاحبك . قال : وأبو الدرداء عند معاوية . فقال أبو الدرداء : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « ما من مسلم يصاب بشيء من جسده ، فيهبه إلا رفعه اللَّه به درجة وحط عنه به خطيئة » . فقال الأنصاري : أنت سمعته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ؟ فقال : سمعته أذناي ووعاه قلبي - فخلى سبيل القرشي . فقال معاوية : « مروا له بمال » « 5 » ومن هذه الآية وغيرها نرى أن الإسلام قد جمع فيما شرع من عقوبات بين العدل والرحمة فقد شرع القصاص زجرا للمعتدى . وإشعارا له بأن سوط العقاب مسلط عليه إذا ما تجاوز حده ، جبرا لخاطر المعتدى عليه ، وتمكينا له من أخذ حقه ممن اعتدى عليه . ومع هذا التمكين التام للمجني عليه من الجاني فقد رغب الإسلام المجنى عليه في العفو عن الجاني حتى تشيع المحبة والمودة بين أفراد الأمة ، ووعده على ذلك بتكفير خطاياه ، وارتفاع درجاته عند اللَّه - تعالى -

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 6 ص 191 - 209 ( 2 ) سورة الشورى الآية 40 ( 3 ) سورة آل عمران الآية 134 ( 4 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 164 . ( 5 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 260