سيد محمد طنطاوي
174
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبعد أن بين - سبحانه - منزلة التوراة وما اشتملت عليه من هدايات وتشريعات أتبع ذلك ببيان منزلة الإنجيل وما اشتمل عليه من مواعظ وأحكام . . فقال - تعالى - : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 46 إلى 47 ] وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناه الإِنْجِيلَ فِيه هُدىً ونُورٌ ومُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ وهُدىً ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 ) ولْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّه فِيه ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 47 ) وقوله : * ( وقَفَّيْنا ) * معطوف على قوله قبل ذلك * ( أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ ) * وأصل القفو اتباع الأثر : يقال قفاه يقفوه أي : اتبع أثره ، والتقفية : الاتباع ، يقال : قفيته بكذا أي أتبعته . وإنما سميت قافية الشعر قافية لأنها تتبع الوزن ، والقفا مؤخر الرقبة . ويقال : قفا أثره إذا سار وراءه واتبعه . قال صاحب الكشاف : قفيته مثل عقبته ، إذا أتبعته . ثم يقال قفيته وعقبته به ، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء . فإن قلت فأين المفعول الأول في الآية ؟ قلت هو محذوف . والظرف الذي هو « على آثارهم » كالسّاد مسدّه ، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه . والضمير في قوله : * ( عَلى آثارِهِمْ ) * يعود على النبيين في قوله : * ( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ) * « 1 » . وقوله : * ( آثارِهِمْ ) * جمع أثر وهو العلم الذي يظهر للحس . وآثار القوم : ما أبقوا من أعمالهم . وقوله * ( عَلى آثارِهِمْ ) * تأكيد لمدلول فعل « قفينا » وإيماء إلى سرعة التقفية . وقوله . * ( لِما بَيْنَ يَدَيْه ) * أي : لما تقدمه ، لأن ما بين يدي الإنسان كأنه حاضر أمامه . والمعنى وأتبعنا على آثار أولئك النبيين الذين أسلموا وجوههم للَّه ، وأخلصوا له العبادة ، والذين كانوا يحكمون بالتوراة - كموسى وهارون وداود وسليمان وغيرهم - أتبعنا على آثارهم
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 639