سيد محمد طنطاوي

161

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد ورد أنه صلى اللَّه عليه وسلم حين قسم غنائم بعض الغزوات وأعطى العطايا الجزيلة ، أعطى العباس ابن مرداس أقل من غيره ، فلم يرق ذلك العباس وقال شعرا يتضمن التعجيب من هذا التصرف . فقال صلى اللَّه عليه وسلم « اقطعوا لسانه » . فزادوه حتى رضى . فهذا نوع من الرشوة رخص فيه السلف لدفع الظلم عن نفسه يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه « 1 » . 2 - استدل بعض العلماء بقوله - تعالى - : * ( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) * على أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كان مخيرا في الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض عنهم ، وأن حكم التخيير غير منسوخ ، لأن ظاهر الآية يفيد ذلك . ويرى فريق من العلماء أن هذا التخيير قد نسخ بقوله - تعالى - بعد ذلك وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه . قالوا : إن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كان أولا مخيرا ثم أمر بعد ذلك بإجراء الأحكام عليهم . وقد رد القائلون بثبوت التخيير على القائلين بالنسخ بأن التخيير ثابت بهذه الآية . أما قوله : وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فهو بيان لكيفية الحكم عند اختياره له . ويرى فريق ثالث من العلماء : أن التخيير ورد في المعاهدين الذين ليسوا من أهل الذمة كبني النضير وبنى قريظة ، فهؤلاء كان الرسول صلى اللَّه عليه وسلم مخيرا بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم : وقوله - تعالى - وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ورد في أهل الذمة الذين لهم مالنا وعليهم ما علينا . وعلى هذا فلا نسخ في الآية . قال الآلوسي : قال أصحابنا : أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود ، إلا في بيع الخمر والخنزير ، فإنهم يقرون عليه ، ويمنعون من الزنا كالمسلمين ، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين ، واختلف في مناكحتهم ، فقال أبو حنيفة : يقرون عليها ، وخالفه - في بعض ذلك . محمد وزفر . وليس لنا عليهم اعتراض قبل التراضي بأحكامنا فمتى تراضوا بها وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم ، وتمام التفصيل في كتب الفروع . 3 - أخذ العلماء من هذه الآية - أيضا - أن الحاكم ينفذ حكمه فيما حكم فيه لأن اليهود حكموا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في بعض قضاياهم ، فحكم فيهم بما أنزل اللَّه ، ونفذ هذا الحكم عليهم . قال بعضهم : إنه صلى اللَّه عليه وسلم قد حكم بينهم بشريعة موسى - عليه السلام - ولكن هذا الحكم كان قبل أن تنزل عليه الحدود . أما الآن وقد أكمل اللَّه الدين ، وتقررت الشريعة ، فلا يجوز لأي حاكم أن يحكم بغير الأحكام الإسلامية لا فرق بين المسلمين وغيرهم « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير آيات الأحكام ج 2 ص 193 لفضيلة الأستاذ محمد على السائس : ( 2 ) تفسير آيات الأحكام ج 2 ص 195