سيد محمد طنطاوي
162
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
هذا ، وبعد أن وصف اللَّه - تعالى - اليهود وأشباههم بجملة من الصفات القبيحة ، وخير رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بين أن يحكم فيهم بشرع اللَّه وبين أن يعرض عنهم . بعد كل ذلك أنكر عليهم مسالكهم الخبيثة ، وعجب كل عاقل من حالهم فقال - تعالى - : * ( وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّه ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) * أي أن أمر هؤلاء اليهود لمن أعجب العجب ، لأنهم يحكمونك - يا محمد - في قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك ومع أن كتابهم التوراة قد ذكر حكم اللَّه صريحا واضحا فيما يحكمونك فيه . فالاستفهام في قوله : * ( وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ ) * للتعجب من أحوالهم حيث حكموا من لا يؤمنون به في قضية حكمها بين أيديهم ، ظنا منهم أنه سيحكم بينهم بما اتفقوا عليه مما يرضى أهواءهم وشهواتهم . وقوله : * ( وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ) * جملة حالية من الواو في * ( يُحَكِّمُونَكَ ) * والعامل ما في الاستفهام من التعجيب . قال صاحب الكشاف : فإن قلت * ( فِيها حُكْمُ اللَّه ) * ما موضعه من الإعراب ؟ قلت : إما أن ينتصب على الحال من التوراة ، وكلمة التوراة هي مبتدأ والخبر * ( عِنْدَهُمُ ) * ، وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك : وعندهم التوراة ناطقة بحكم اللَّه . وإما أن لا يكون له محل وتكون جملة مبينة ، لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره « 1 » . وقوله * ( ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) * معطوف على * ( يُحَكِّمُونَكَ ) * - وجاء العطف بثم المفيدة للتراخي للإشارة إلى التفاوت الكبير بين ما في التوراة من حق وبين ما هم عليه من باطل ومخادعة . واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * يعود إلى حكم اللَّه الذي في التوراة ، والذي حكم به النبي صلى اللَّه عليه وسلم أي : كيف يحكمونك يا محمد في قضاياهم والحال أنهم عندهم التوراة فيها حكم اللَّه واضحا فيما تحاكموا إليك فيه ، ثم هم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما قضى اللَّه به في كتابهم التوراة . وقوله : * ( وما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) * تذييل مقرر لمضمون ما قبله . ونفى الإيمان عنهم مع حذف متعلقه لقصد التعميم . أي : وما أولئك الذين جاؤوا يتحاكمون إليك من اليهود بالمؤمنين لا بكتابهم التوراة . لأنهم
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 336