سيد محمد طنطاوي
143
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * بآياتنا وجحدوا الحق الذي جاءتهم به رسلنا * ( لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) * أي : لو أن لهم جميع ما في الأرض من أموال وخيرات ومنافع * ( ومِثْلَه مَعَه ) * أي : وضعفه معه ، وقدموا كل ذلك * ( لِيَفْتَدُوا بِه ) * أي : ليخلصوا به أنفسهم * ( مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ) * أي : ما قبله اللَّه منهم ، لأن سنته قد اقتضت أن تكون نجاة الإنسان من العذاب يوم القيامة متوقفة على الإيمان والعمل الصالح ، لا على الأموال وما يشبهها من حطام الدنيا مهما عظم شأنها وكثر عددها . * ( ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * أي : شديد في آلامه وأوجاعه . فالآية الكريمة تبين ما أعده اللَّه - تعالى - يوم القيامة للكافرين بآياته من عذاب أليم ، لن يصرفه عنهم صارف مهما قدموا من ثمن ، أو بذلوا من أموال . وقوله * ( لَوْ أَنَّ لَهُمْ ) * . إلخ ، جملة شرطية جوابها قوله تعالى * ( ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ) * وهذه الجملة الشرطية وجوابها خبر إن في قوله : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * . وصدرت الآية الكريمة بأداة التوكيد « إن » للرد على ما ينكره الكافرون من وقوع عذاب عليهم يوم القيامة فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ . والمراد بقوله : * ( لَوْ أَنَّ لَهُمْ ) * أي : لو أن لكل واحد منهم منفردا ، ما في الأرض جميعا ومثله معه ، وقدمه يوم القيامة ليخلص نفسه من العذاب ، ما قبل منه ذلك الذي قدمه . وفي ذلك ما فيه من ثبوت العذاب عليهم ووقوعه بهم لا محالة . وقوله : * ( جَمِيعاً ) * توكيد للموصول وهو * ( ما ) * في قوله : * ( ما فِي الأَرْضِ ) * أو حال منه . وقوله : * ( ومِثْلَه ) * معطوف على اسم أن وهو ( ما ) الموصولة . وقوله : * ( مَعَه ) * ظرف واقع موقع الحال من المعطوف والضمير يعود إلى الموصول . وجاء الضمير المجرور في قوله * ( لِيَفْتَدُوا بِه ) * بصيغة الإفراد ، مع أن الذي تقدمه شيئان وهما : ما في الأرض جميعا ومثله . للإشارة إلى أنهما لتلازمهما قد صارا بمنزلة شيء واحد . أو لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة بأن يؤول المرجع المتعدد بالمذكور أي ليفتدوا بذلك المذكور من عذاب يوم القيامة ما تقيل منهم . ونفى - سبحانه - قبول الفدية منهم بقوله : * ( ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ) * لإفادة تأكيد هذا النفي واستبعاده ، إذ أن صيغة « التقبل » تدل على تكلف القبول أي : أنه لا يمكن قبول الفداء منهم مهما قدموا من أموال ومهما بذلوا من محاولات في سبيل الوصول لغرضهم . قال الفخر الرازي : والمقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم ، فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 221 .