سيد محمد طنطاوي
138
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
العظيم في الآخرة ، ما داموا مستمرين في عدوانهم وتهديدهم لأمن الناس ، واستلابهم لأموالهم . وإن المقصد من هذه العقوبات الشديدة ، أن يكف المعتدون عن عدوانهم ، وأن يحس الناس في حياتهم بالأمان والاطمئنان على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، فإن الأمة التي ترتكب فيها الجرائم بدون خوف أو وجل ، ويفتقد أبناؤها الأمان والاطمئنان ، هذه الأمة التي هذا شأنها ، لا بد أن تضطرب كلمتها ، ويهون أمرها ، وتنتزع الثقة بين الحاكمين والمحكومين فيها ، لذا فقد أوجب الإسلام على أتباعه أن يتكاتفوا ويتعاونوا للقضاء على كل من يحاول إثارة الفتن والاضطراب بين صفوفهم ، حتى يعيشوا آمنين مطمئنين ، مؤدين لما يجب عليهم نحو دينهم ودنياهم بدون خوف أو إزعاج . وقد قال القرطبي في هذا المعنى : « وإذا أخاف المحاربون السبيل ، وقطعوا الطريق ، وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم ، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين ، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا ، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته « 1 » . وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة المحاربين له ولرسوله صلى اللَّه عليه وسلم وأخرج منهم من تاب إليه - سبحانه - قبل القدرة عليه بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه ، وبالتقرب إليه بالعمل الصالح فقال - تعالى - : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 35 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وابْتَغُوا إِلَيْه الْوَسِيلَةَ وجاهِدُوا فِي سَبِيلِه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 35 ) وقوله : * ( اتَّقُوا ) * من التقوى بمعنى صيانة النفس عن كل ما يبغضه اللَّه - تعالى - . وقوله : * ( وابْتَغُوا ) * من الابتغاء وهو الاجتهاد في طلب الشيء . و * ( الْوَسِيلَةَ ) * على وزن فعيلة بمعنى ما يتوصل به ويتقرب به إلى اللَّه - تعالى - ، من فعل
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 155 .